١٩٦٢م ــ ٢٠٢٦م
بين عامٍ أشرقت فيه راية الجمهورية إيذاناً بانكسار إرث السلالة، وعامٍ تُطوى فيه آخر صفحات مشروعها، تمتد مسافةٌ من ستة عقودٍ وأربعة أعوام؛ كأن الزمن ظل يكتب فصول الصراع حتى بلغ خاتمته المحتومة. ولعلها لحظةٌ من تدبير القدر، كتب الله فيها نهاية المشروع السلالي، وأعاد للتاريخ معناه، وللجمهورية وعدها المؤجل.
النفير العام مسؤولية الدولة والمجتمع
في الذكرى الرابعة والستين لثورة السادس والعشرين من سبتمبر، جاء خطاب رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد محمد العليمي حاملاً دعوةً إلى التعبئة العامة والنفير الوطني، والالتفاف حول مؤسسات الدولة والجيش والأمن، والقيام بالواجب الوطني، كلٌ من موقعه واختصاصه.
لكن قيمة هذا النداء لا تكمن في الكلمة ذاتها، بل في السؤال الذي يفرض نفسه بعدها: كيف يتحول النفير من خطاب إلى فعل، ومن حماس عابر إلى مشروع وطني منظم؟
فالنفير العام لا يعني أن يحمل كل مواطن السلاح، ولا أن تتحول التعبئة إلى فوضى أو تشكيلات موازية لمؤسسات الدولة؛ بل يعني أن ينهض اليمنيون جميعاً بأدوارهم، كلٌ في موقعه.
فمن أراد الالتحاق بالجيش والأمن فطريقه المؤسسات والقنوات الرسمية، والطبيب ينفر في مستشفاه، والمعلم في مدرسته، والمهندس في موقع عمله، والتاجر في سوقه، ورجل الأعمال في دعم الاقتصاد والخدمات، والإعلامي في مواجهة التضليل ونشر الوعي، والوجاهات الاجتماعية في حماية السلم الأهلي ومنع الثأر والانقسام، وتحريك الإسناد الشعبي للدولة والجيش الوطني.
وهنا ينتقل النفير من مسؤولية الفرد إلى مسؤولية الدولة.
فإذا كان رئيس مجلس القيادة قد أطلق النداء، فإن الحكومة معنية بتحويله إلى برنامج عمل وطني واضح، تتحدد فيه مسؤوليات الوزارات والمؤسسات، وتوضع آليات للتنسيق والمتابعة والرقابة. كما تقع على المحافظات والمديريات مسؤولية ترجمة هذا التوجه إلى خطط واقعية تستوعب الطاقات المحلية، وترفع الجاهزية الصحية والخدمية والاقتصادية والمجتمعية.
ولا يقل دور الأحزاب والمكونات السياسية أهمية عن ذلك. فالبيان الصادر عن التكتل الوطني للأحزاب والمكونات السياسية يضع التعبئة في إطار أوسع، يقوم على توحيد الجهود السياسية والجماهيرية والإعلامية والمجتمعية، وإسناد مؤسسات الدولة، وتعزيز الصمود المجتمعي، وترسيخ ثقافة الجمهورية والمواطنة المتساوية، على أن يكون هذا العمل تحت مظلة الدولة والقانون.
وهذه نقطة جوهرية؛ لأن النفير الوطني لا ينجح بتعدد مراكز القوة، وإنما بتوحيد الإرادة الوطنية تحت مظلة الدولة.
إن استعادة الدولة ليست مسؤولية عسكرية وحدها، ولا مسؤولية مؤسسة أو حزب بعينه، بل هي مشروع وطني متكامل تتداخل فيه السياسة والاقتصاد والأمن والخدمات والإعلام والمجتمع والدبلوماسية. فالجيش يحتاج إلى مجتمع متماسك، والاقتصاد يحتاج إلى مؤسسات مستقرة، والمستشفيات والمدارس تحتاج إلى دولة قادرة على حماية الخدمات واستمرارها، والإعلام يحتاج إلى خطاب مسؤول يحارب الإشاعة واليأس والانقسام.
ومن هنا، فإن الإسناد الشعبي للجيش الوطني لا يعني أن يحل المجتمع محل الجيش، بل أن يوفر له البيئة الوطنية التي تمكنه من أداء مهمته في إطار مؤسسات الدولة والقانون.
كما أن توحيد الصف الوطني لا يعني إلغاء التعدد السياسي، بل تحويل التعددية إلى مساحة للشراكة، وتقديم المصلحة الوطنية على المصالح الحزبية والمناطقية والفئوية.
وفي المقابل، فإن استعادة الدولة لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها مجرد عودة إلى الماضي، وإنما فرصة لبناء دولة يمنية حديثة، تقوم على الجمهورية والمواطنة المتساوية وسيادة القانون والشراكة الوطنية والحوار، وتستند إلى المرجعيات والمخرجات الوطنية المتوافق عليها.
والأهم أن الدولة المنشودة ليست دولةً لفئة دون أخرى؛ فاليمنيون جميعاً، في مناطق سيطرة الدولة أو خارجها، جزء من المستقبل الوطني. والمواطن ليس هدفاً للصراع، بل هو الغاية التي يجب أن تُستعاد الدولة من أجلها: أمناً وكرامةً وحقوقاً وخدماتٍ ومستقبلاً.
لقد أُطلق النداء، والآن تبدأ مرحلة الاستجابة.
فالنفير يبدأ بالنداء، ويثبت بالفعل، وينجح بوحدة الدولة والمجتمع.
وهنا يكمن المعنى الحقيقي للنفير الوطني: دولة قوية بمؤسساتها، ومجتمع متماسك بإرادته، وجيش وطني بإسناده الشعبي، وأحزاب ومكونات تتقدم فيها مصلحة اليمن على كل ما عداها؛ وصولاً إلى دولة جمهورية اتحادية مدنية حديثة، تحفظ الحقوق والحريات، وتصون المواطنة المتساوية، وتفتح أمام اليمنيين طريقاً آمناً نحو المستقبل.
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
✍️ عبدالعزيز الحمزة
السبت ٢٦ سبتمبر ٢٠٢٦م