في الصبيحة، لا تُقاس المواقف بكثرة الكلام، ولا تُثبت الوطنية بالشعارات، وإنما تُكتب في الميدان، حيث يقف الرجال في مقدمة الصفوف دفاعًا عن الأرض والكرامة والوطن.
ومن جبهات الصبيحة، من العلقمة والخَبَل وكهبوب والمنصورة وغيرها، تتجدد صورة يعرفها أبناء الوطن: رجالٌ سمر الوجوه، صلبو العزيمة، يقفون حيث تشتد المواجهة، ويحرسون أرضهم باعتبارها جزءًا أصيلًا من أرض الوطن وكرامته وسيادته.
لقد أثبت أبناء الصبيحة، ومعهم القبائل والتشكيلات العسكرية المساندة، أن الدفاع عن الأرض ليس موقفًا عابرًا، بل مسؤولية وطنية تتقدم فيها التضحية على الحسابات، والعمل على الكلام. وما تحقق من استعادة مواقع في عدد من الجبهات يعكس حجم الصمود الذي يبديه المقاتلون المرابطون في خطوط المواجهة، في مواجهة مليشيا الحوثي ومشروعها الذي يسعى إلى فرض واقعٍ يضع الوطن تحت نفوذ وتبعية خارجية.
ومع تراجع مليشيا الحوثي من عدد من المواقع، لم تتوقف اعتداءاتها، بل اتجهت إلى القصف العشوائي واستخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ، طال ذلك مناطق يوجد فيها مدنيون ونازحون، في مشهد يزيد من معاناة الأهالي ويهدد حياتهم وأمنهم. كما طالت الاعتداءات مرافق مدنية، من بينها مدارس، بما يضاعف المخاطر على السكان، ويؤكد أن حماية المدنيين والمنشآت المدنية يجب أن تظل أولوية لا تقبل التهاون.
وفي مقدمة هذه الصورة يبرز الفريق الركن محمود أحمد الصبيحي بوصفه أحد الرموز العسكرية التي ارتبط حضورها بالميدان، لا من خلف المكاتب، وإنما إلى جانب المقاتلين وفي مقدمة الصفوف؛ في رسالة واضحة بأن القيادة الحقيقية تُقاس بالقرب من الرجال وقت الشدة، وبالوقوف معهم في مواقع الخطر والمسؤولية.
كما يبرز في هذا المشهد عدد من القادة والرجال الذين أسهموا في إدارة المواجهات وتعزيز صمود الجبهات، ومنهم الشيخ حمدي شكري، والشيخ عبدربه المحولي، والشيخ علي الشمي، وأحمد غانم الحيقي، والشيخ أنور بجح المحولي، والعقيد نصر المضربي، ومحمود الأغبري، وناصر قاسم الكعلولي، إلى جانب رجال القبائل والمقاتلين الذين يقفون في الخنادق بعيدًا عن الأضواء.
وهؤلاء جميعًا، بمختلف مواقعهم وتشكيلاتهم، يجسدون حقيقة واحدة: أن الصبيحة حين تدافع عن جبالها ووديانها، فإنها لا تدافع عن حدود قبيلة، وإنما عن أرض الوطن وعن حق أبنائه في الأمن والكرامة والسيادة.
والصبيحة أرض شحيحة في زرعها، لكنها غنية برجالها. أرض لا تمنح أبناءها شيئًا بسهولة، ولذلك صنعت منهم رجالًا يعرفون معنى الصبر والثبات. وجوههم السمراء تحمل ملامح الأرض التي خرجوا منها، ووقوفهم في الجبهات يختصر تاريخًا طويلًا من التمسك بالأرض والوفاء لها.
أرضٌ لا تزرع القمح كثيرًا، لكنها تزرع الرجال؛ ولا تنبت الزرع وحده، بل تنبت البأس. أبناءها ليسوا رجالًا فحسب، بل كأنهم بقية من صلابة هذه الأرض حين كانت تختبر من يستحقها. الصبيحة لا تمنح أبناءها القوة جاهزة؛ إنها تصنعهم، وتصهرهم تحت شمسها، وتسقيهم من قسوة الحياة، حتى يخرجوا رجالًا لا تنكسر عزائمهم.
وفي مقابل هذه الصورة المشرفة، يبرز بعض من اختاروا الوقوف في الجهة الأخرى، ممن لا يكتفون بنشر الشائعات وإضعاف المعنويات، بل يتحولون إلى أدوات تخدم مشروع مليشيا الحوثي ومن يقف خلفها، في وقت يخوض فيه الرجال معركة الدفاع عن الأرض والوطن.
والخطر هنا لا يأتي من الجبهات وحدها، وإنما من محاولات إرباك الصف الوطني من الداخل، والتشكيك في تضحيات المرابطين، وتقديم الغطاء الإعلامي والمعنوي لمشروع يسعى إلى جر الوطن نحو مزيد من الارتهان والتبعية للمشروع الإيراني.
وهنا لا مجال للمساواة بين من يقف في الخندق مدافعًا عن أرضه، وبين من يقف خلف الشاشات محاولًا إضعاف عزيمته وبث الفرقة بين أهله. الشرف للمرابطين الصامدين في الجبهات، والعار لكل من يختار أن يكون صوته وسيلة لإضعافهم أو خدمة خصومهم.
فالمعركة في جوهرها ليست دفاعًا عن قرية أو قبيلة فحسب، وإنما دفاع عن حق أبناء الوطن في أن يبقى وطنهم حرًا، مستقلًا، بعيدًا عن أي مشروع يسعى إلى فرض التبعية عليه بالقوة أو السلاح أو الوصاية الخارجية.
لقد دفعت الصبيحة، كما دفعت مناطق وطنية كثيرة، ثمنًا باهظًا من دماء أبنائها دفاعًا عن الأرض والكرامة. ولذلك فإن واجب الجميع اليوم هو احترام تضحيات المقاتلين، وتوحيد الصف، ودعم مؤسسات الدولة، وتغليب المصلحة الوطنية على الحسابات الضيقة.
إن أبناء الصبيحة الذين يقفون اليوم في العلقمة والخَبَل وكهبوب والمنصورة وغيرها، لا يواجهون خطرًا على حدود قبيلتهم فقط، بل يواجهون مشروعًا أوسع يهدد الدولة وهويتها وسيادتها. ومن هنا تصبح مقاومتهم جزءًا من معركة وطنية أشمل، عنوانها حماية الوطن من مشاريع الهيمنة والتبعية.
الصبيحة ليست مجرد جغرافيا على خارطة الوطن؛ إنها ذاكرة من الصمود، وأرض عرفت كيف تحمي نفسها حين اشتدت المحن.
وحين يشتد الخطر، تظهر معادن الرجال؛ وحين تنادي الأرض أبناءها، يتقدم أصحاب الوجوه السمراء إلى الصفوف الأولى، يحملون بندقيتهم وإيمانهم بوطنهم، ويقولون بالفعل قبل القول:
هذه أرضنا، وهذا وطننا، وهذه مسؤوليتنا... ولن يكون الدفاع عنه بالكلمات وحدها.