اليمن_عدن
خليفة الخليفي
٢٤ سبتمبر ٢٠٢٦
- علاقات تاريخية تتجاوز الجغرافيا إلى المواقف والتنمية والإنسان:
في المنطقة العربية، قد تتغير الظروف وتتبدل الحسابات، لكن بعض العلاقات تظل أكبر من اللحظة السياسية وأعمق من المصالح العابرة. ومن بين هذه العلاقات تبرز **العلاقة الأخوية بين اليمن والمملكة العربية السعودية**، التي تستند إلى تاريخ طويل من الجوار والروابط الاجتماعية والثقافية والمصالح المشتركة.
فاليمن والسعودية لا تجمعهما حدود جغرافية فحسب، بل روابط إنسانية واجتماعية واقتصادية متشابكة، جعلت من استقرار اليمن وأمنه وتنميته قضية ذات أهمية مباشرة للمملكة، كما جعلت من العلاقات مع المملكة امتدادًا طبيعيًا للمصالح اليمنية في محيطها الخليجي.
- حين تتحدث المواقف قبل الكلمات:
تظهر حقيقة العلاقات بين الدول في الأوقات الصعبة، عندما تتحول المواقف من تصريحات إلى أفعال.
وخلال السنوات الماضية، كان للمملكة العربية السعودية حضور بارز في دعم اليمن عبر مسارات متعددة، شملت الاقتصاد والتنمية والإغاثة والطاقة والصحة والتعليم والبنية التحتية، إلى جانب الجهود السياسية الرامية إلى دعم مسار السلام والاستقرار في اليمن.
وفي مارس 2026، أعلنت المملكة بدء إيداع دعم اقتصادي لليمن بقيمة **1.3 مليار ريال سعودي**، ضمن جهود تستهدف دعم الموازنة ومعالجة عدد من الاحتياجات الاقتصادية والتشغيلية، في خطوة تعكس استمرار الدعم الاقتصادي السعودي لليمن.
كما سبق ذلك دعم اقتصادي سعودي شمل البنك المركزي اليمني والموازنة العامة ومجالات اقتصادية وإنسانية متعددة، في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها اليمن.
- من الإغاثة إلى التنمية:
ولم تتوقف العلاقة عند الدعم الاقتصادي المباشر، إذ أصبحت المشاريع التنموية أحد أبرز وجوه الحضور السعودي في اليمن.
ومن خلال (البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن)، جرى تنفيذ مشاريع في قطاعات حيوية، من بينها الصحة والتعليم والطرق والمياه والكهرباء والمطارات والبنية التحتية، بما يعكس توجهًا نحو الانتقال من الاستجابة الطارئة إلى دعم مسارات التنمية والخدمات الأساسية.
كما يواصل (مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية) تنفيذ برامج ومشاريع إنسانية في عدد من المحافظات اليمنية، تشمل الأمن الغذائي والإيواء والصحة والمياه وغيرها من المجالات.
وهنا تصبح الأرقام والمشاريع أكثر من مجرد بيانات؛ فهي في نهاية المطاف خدمات تصل إلى المواطن، ومساعدة تصل إلى الأسرة، ومشروع تنموي يستفيد منه مجتمع بأكمله.
- الكهرباء.. ملف يمس حياة الناس مباشرة:
ومن أبرز الملفات التي شهدت تعاونًا سعوديًا يمنيًا خلال عام 2026 ملف الكهرباء.
ففي يونيو 2026، جرى توقيع اتفاقية بقيمة **150 مليون دولار** لدعم قطاع الكهرباء في اليمن من خلال توفير المشتقات النفطية اللازمة لتشغيل أكثر من 70 محطة توليد كهرباء في عدد من المحافظات.
ومثل هذه الخطوات تكتسب أهمية خاصة بالنسبة للمواطن اليمني، لأن الكهرباء ليست ملفًا اقتصاديًا مجردًا، وإنما خدمة ترتبط بحياة الناس اليومية، وبالمستشفيات والمياه والاتصالات والمؤسسات والأنشطة التجارية.
- الإنسان أولًا:
وراء كل مشروع وكل اتفاقية وكل برنامج إغاثي يوجد إنسان.
وهذه هي الزاوية الأهم في قراءة العلاقات اليمنية السعودية؛ فالمساعدات الغذائية والإيوائية، والمشاريع الصحية، ودعم الكهرباء، والمشاريع التعليمية والتنموية، كلها تنعكس في النهاية على حياة المواطن والأسرة والمجتمع.
وقد شهدت محافظات يمنية مختلفة تدخلات إنسانية وتنموية متعددة عبر البرامج السعودية، في إطار دعم الفئات الأكثر احتياجًا والتخفيف من آثار الظروف الإنسانية والاقتصادية الصعبة.
- روابط شعبية لا تصنعها السياسة:
لكن العلاقة بين اليمن والسعودية لا تبدأ من السياسة ولا تنتهي عندها.
فبين الشعبين روابط اجتماعية وأسرية وثقافية وتجارية ممتدة، وهناك ملايين اليمنيين الذين ارتبطوا بالمملكة من خلال العمل والإقامة والتجارة والتعليم والعلاقات الاجتماعية، كما أن المجتمعين يشتركان في الكثير من العادات والتقاليد والروابط التاريخية.
ولهذا فإن العلاقات بين البلدين تحمل بعدًا شعبيًا وإنسانيًا يتجاوز الاتفاقيات الرسمية.
- أمن اليمن من أمن المنطقة:
وتكتسب العلاقة أهمية إضافية بحكم الموقع الجغرافي للبلدين، فاليمن يمثل بوابة مهمة على البحر الأحمر وباب المندب والمحيط الهندي، بينما تمثل المملكة مركزًا اقتصاديًا وسياسيًا رئيسيًا في الخليج والمنطقة.
ومن الطبيعي أن يكون أمن واستقرار اليمن محل اهتمام سعودي، كما أن استقرار المنطقة وممراتها البحرية والتجارية يمثل مصلحة مشتركة لليمن والسعودية ودول المنطقة.
- السعودية واليمن.. شراكة تحتاج إلى المستقبل:
إن استحضار المواقف السعودية تجاه اليمن لا يعني اختزال العلاقة في المساعدات أو الدعم الاقتصادي، كما أن العلاقات بين البلدين أكبر من أن تُقاس بالأرقام وحدها.
المستقبل يحتاج إلى **شراكة اقتصادية وتنموية أوسع**، وزيادة التبادل التجاري، وتشجيع الاستثمار، ودعم القطاعات الإنتاجية، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز فرص العمل، وفتح آفاق جديدة أمام القطاع الخاص اليمني والسعودي.
فاليمن يمتلك موارد بشرية وطبيعية وموقعًا استراتيجيًا مهمًا، والسعودية تمتلك إمكانات اقتصادية واستثمارية كبيرة، وما يجمع البلدين من جغرافيا وتاريخ ومصالح يمكن أن يشكل قاعدة واسعة لتعاون طويل الأمد.
- المواقف تُكتب في ذاكرة الشعوب:
في النهاية، لا تُقاس الأخوة بين الدول بكثرة الكلمات، وإنما بما يبقى من المواقف عندما تكون الحاجة أكبر.
وقد شهدت العلاقات اليمنية السعودية خلال العقود الماضية محطات عديدة، وفي السنوات الأخيرة برزت ملفات الدعم الاقتصادي والإنساني والتنموي والسياسي باعتبارها جزءًا أساسيًا من المشهد.
ويبقى الأهم أن تتحول هذه العلاقة التاريخية إلى شراكة مستدامة تصنع التنمية، وتدعم الاستقرار، وتخدم الإنسان اليمني والسعودي، وتحفظ المصالح المشتركة للبلدين والشعبين.
صفحة الكاتب
خليفة الخليفي
عدن الغد