✍️د محمد حسن الوقيدي
في السادس والعشرين من سبتمبر من كل عام، لا يحتفل اليمنيون بذكرى عابرة من صفحات التاريخ، ولا يستعيدون مجرد حدثٍ مضى؛ بل يقفون أمام واحدة من أعظم المحطات التي غيّرت وجه اليمن وفتحت أمام شعبه أبواب الحرية والجمهورية والكرامة.
إنها الذكرى الـ64 لثورة السادس والعشرين من سبتمبر المجيدة، الثورة التي انطلقت في فجر السادس والعشرين من سبتمبر 1962م، حاملةً معها إرادة شعبٍ أنهكته سنوات الاستبداد والعزلة والتخلف، ومعلنةً ميلاد عهدٍ جديد عنوانه الجمهورية، والحرية، والعدالة، والمساواة، والعلم، والتنمية، والكرامة الإنسانية.
لم تكن سبتمبر مجرد تغييرٍ في شكل الحكم، بل كانت ثورةً على منظومة كاملة من الاستبداد، وثورةً في وعي الإنسان اليمني وحقه في أن يكون مواطناً حراً، لا تابعاً ولا أسيراً لامتيازات تقوم على النسب أو القوة أو الاستئثار بالحكم.
سبتمبر.. حين قال اليمنيون: لا للظلام
جاءت ثورة الأحرار لتطوي صفحة تاريخية ارتبطت، في الذاكرة الوطنية اليمنية، بالاستبداد والجهل والفقر والعزلة، وتفتح الطريق أمام الدولة الجمهورية الحديثة.
وبقيام الجمهورية بدأ اليمنيون يشقون طريقاً جديداً نحو التعليم والمؤسسات والخدمات والبنية التحتية، وظهرت المدارس والجامعات والمستشفيات والطرقات ومشاريع الكهرباء والمياه، واتسعت مساحة المشاركة السياسية والانتخابات والتعبير عن الرأي.
ولم يكن الطريق سهلاً، فقد دفعت أجيال من اليمنيين ثمناً غالياً دفاعاً عن الجمهورية، وسقط الشهداء في سبيل أن يبقى اليمن جمهورياً، وأن يكون الوطن ملكاً لجميع أبنائه.
وكانت ثورة السادس والعشرين من سبتمبر إحدى أهم المحطات التي مهّدت للتحولات الوطنية الكبرى، وصولاً إلى ثورة الرابع عشر من أكتوبر والاستقلال، ثم تحقيق الوحدة اليمنية في الثاني والعشرين من مايو 1990م.
الجمهورية ليست ذكرى.. الجمهورية مسؤولية
بعد أربعة وستين عاماً، لا يجوز أن تتحول سبتمبر إلى أناشيد وصور وشعارات تُرفع يوماً واحداً ثم تُنسى بقية العام.
سبتمبر قضية وطن.
سبتمبر هو أن يكون اليمن دولةً لا جماعة، ومؤسساتٍ لا مليشيات، وقانوناً لا سلاحاً، ومواطنةً لا امتيازات، وتعليماً لا جهلاً، وتنميةً لا خراباً، وحريةً لا قمعاً.
ولهذا فإن الدفاع عن سبتمبر لا يكون بالكلمات وحدها، وإنما بحماية قيمها وأهدافها، وبناء دولة تحترم الإنسان وتصون كرامته، وتضمن المساواة أمام القانون، وتحمي حق المواطن في التعليم والعمل والخدمات والعيش الكريم.
حين عاد شبح الماضي بثوبٍ جديد
وبعد عقود من قيام الجمهورية، وجد اليمنيون أنفسهم أمام حرب وانقسام وانقلاب مسلح أعاد إلى المشهد مفاهيم تتعارض مع جوهر الدولة الجمهورية.
ومنذ سيطرة مليشيات الحوثي على مؤسسات الدولة وأجزاء واسعة من البلاد، تعرض اليمن لأزمة إنسانية واقتصادية ومؤسسية عميقة، وتسببت الحرب في تدمير واسع للبنية التحتية والنزوح وتعطيل الخدمات وإلحاق أضرار جسيمة بحياة المدنيين.
وتتهم الحكومة اليمنية والأطراف المناهضة للحوثيين الجماعة بالسعي إلى إحياء نموذج حكم يقوم على التمييز والامتيازات السلالية، بينما تقول الجماعة إنها تمثل مشروعاً وطنياً لمواجهة خصومها والتدخلات الخارجية؛ ولذلك فإن توصيف الصراع ومسبباته محل خلاف سياسي، لكن المؤكد أن اليمنيين دفعوا ثمناً باهظاً خلال سنوات الحرب.
وهنا تصبح سبتمبر أكثر من ذكرى؛ تصبح بوصلة.
فكلما حاول أحد إعادة اليمن إلى الوراء، تعود سبتمبر لتقول:
إن اليمنيين اختاروا الجمهورية.
وكلما حاول السلاح أن يكون بديلاً عن الدولة، تقول سبتمبر:
الدولة هي الحل، والمؤسسات هي الطريق.
وكلما حاولت جماعة أن تجعل الوطن ملكاً لها، تقول سبتمبر:
اليمن لكل اليمنيين.
لا لعودة الكهنوت.. ولا لعودة الاستبداد
إن معركة اليمنيين اليوم، كما يراها المدافعون عن الجمهورية، ليست معركة أشخاص أو مناطق، وإنما معركة حول شكل الدولة ومستقبلها.
فلا يمكن بناء وطن مستقر في ظل احتكار السلطة، ولا يمكن تحقيق السلام الدائم في ظل السلاح خارج مؤسسات الدولة، ولا يمكن أن تتحقق المواطنة المتساوية إذا أصبح الانتماء السياسي أو الاجتماعي طريقاً للامتياز أو الحرمان.
ولهذا فإن استعادة الدولة ومؤسساتها، وبناء جيش وأمن وطنيين، وترسيخ سيادة القانون، وحماية الحقوق والحريات، وإطلاق عجلة التنمية، ليست شعارات سياسية؛ بل هي متطلبات أساسية لمستقبل اليمن.
رسالة سبتمبر إلى الأجيال الجديدة
أيها اليمنيون...
إن أبناء سبتمبر الأوائل لم يخرجوا من أجل أن يستبدل اليمنيون استبداداً باستبداد، ولا كهنوتاً بكهنوت، ولا حكماً فردياً بحكم جماعة.
اخرجوا لأن الإنسان اليمني يستحق أن يعيش حراً كريماً.
اخرجوا لأن اليمن يستحق دولة.
اخرجوا لأن أبناء الوطن جميعاً متساوون في الحقوق والواجبات.
ولهذا فإن واجب الأجيال الجديدة أن تحمي جوهر سبتمبر من التشويه والاستغلال، وأن تتعلم من التاريخ، لا أن تعيد أخطاءه.
إن سبتمبر لا تنتمي إلى حزب أو جماعة أو منطقة؛ إنها جزء من الذاكرة الوطنية اليمنية، ومن حق كل يمني أن يراها باعتبارها محطة تأسيسية في تاريخ الجمهورية.
سبتمبر من الماضي إلى المستقبل
في الذكرى الـ64، يظل السؤال الحقيقي أمام اليمنيين:
ماذا بقي من أهداف سبتمبر؟ وماذا يجب أن نفعل حتى تصبح الجمهورية دولةً قويةً عادلةً تتسع للجميع؟
والجواب يبدأ من استعادة الدولة، وإعادة بناء مؤسساتها، وتوحيد القرار الوطني، وإعلاء سلطة القانون، ورفض كل أشكال التمييز والاستبداد، وإعادة إعمار ما دمرته الحرب، وإطلاق مسار حقيقي للتنمية والتعليم والصحة والخدمات.
فالحرية التي حلم بها الأحرار لا تكتمل إلا بدولة تحميها.
والجمهورية التي أُعلنت في 1962م لا تصان إلا بمؤسسات قوية.
والتضحيات التي قدمها الشهداء لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد ذكرى، بل إلى مسؤولية أخلاقية ووطنية في أعناق الأحياء.
يا أبناء اليمن...
إن سبتمبر لم تمت.
قد تتعثر الدولة، وقد تطول الحرب، وقد تتراكم الجراح، لكن فكرة الجمهورية لا تموت ما دام في اليمني قلب ينبض بالحرية والكرامة.
ستظل شعلة السادس والعشرين من سبتمبر شاهدةً على أن شعباً بأكمله استطاع أن يكسر قيود الماضي، وأن يفتح لنفسه طريقاً نحو المستقبل.
وسيظل صوت الأحرار يتردد في كل مدينة وقرية وجبل وسهل:
لا للعودة إلى الماضي.
لا لحكم الفرد والجماعة.
لا لاحتكار الوطن.
نعم للجمهورية.
نعم للدولة.
نعم للمواطنة المتساوية.
نعم ليمنٍ حرٍ آمنٍ مستقر، يتسع لجميع أبنائه.
المجد لشهداء ثورة السادس والعشرين من سبتمبر.
المجد لكل من ناضل من أجل حرية اليمن وكرامته.
والخلود لليمن... أرضاً وإنساناً وتاريخاً ومستقبلاً.
26 سبتمبر... ثورة الأحرار، وتاريخٌ للحرية في الماضي والمستقبل.
حرصت في الصياغة على أن تكون اللهجة قوية وجماهيرية، لكن من دون عبارات يمكن أن تُفهم كدعوة للعنف أو استهداف جماعة مدنية، مع الحفاظ على الرسالة السياسية الأساسية التي طرحتها.