يمثل ما يدور في منطقة «كهبوب» الاستراتيجية وغيرها من الجبهات الساخنة لغزاً محيراً يثير الكثير من علامات الاستفهام والدهشة حول طبيعة القرارات العسكرية والسياسية المتخذة. وعلى الرغم مما قد يثيره انتقاد الأداء العسكري الميداني من حساسيات، إلا أن التجربة الميدانية الطويلة التي تشرّبتُها في صفوف جيش محترف، بعيداً عن أروقة المكاتب وغرفها المغلقة، تمنحنا الحق في طرح التساؤلات الوطنية المشروعة من موقع الحرص والمسؤولية.
مسرح العمليات.. حركة بلا بوصلة
لا توجد في الأعراف العسكرية لجيوش العالم المنهجية حالة شبيهة بما شهدناه من انسحابات غير مبررة وسحب للقوات بلا اشتباك يُذكر. ولنأخذ مثالاً حياً وموثقاً على ذلك عبر تحركات ألوية العمالقة وقواتها خلال فترة قصيرة لا تتجاوز الأسبوعين، حيث قطعت هذه القوات مسافات شاسعة تجاوزت الألف كيلومتر في تنقلات عبثية:
* البداية من الساحل الغربي: انسحاب مفاجئ نحو العاصمة المؤقتة عدن دون مواجهة حقيقية.
* محطة يافع: أسبوع واحد قُضي في الانتقال نحو مديرية لبعوس والانتشار في خطوط الدفاع الثانية، بلا طلقة واحدة.
* محور الحواشب (قُطيش): استمرار مسلسل التنقل لأسبوع آخر.
* العودة بلا مبرر: توجيهات رعناء بالانسحاب العكسي نحو عدن، ثم العودة مجدداً إلى الساحل الغربي، وصولاً إلى التمركز في قطاع كهبوب.
إن هذا الإرهاق المستمر للعتاد والجنود، وضياع الإمكانيات والوقود، وتكبد خزينة المعركة مبالغ طائلة، ليس سوى استنزاف مادي ومعنوي فادح. والأدهى من ذلك هو التداعيات النفسية العميقة على المقاتلين؛ فالجندي الذي يرى الحيرة وتشتت الرؤية على محيا قيادته تفتر عزيمته وتتلاشى روحه المعنوية، وهو يتساءل بمرارة عن وجهته الحقيقية، وغايته، وهوية العدو الذي يقاتله في ظل ضبابية المشهد. في أي مدرسة عسكرية محترفة، كان لمثل هذا العبث القيادي أن يقود إلى محاكمات عسكرية عاجلة ومحاسبة صارمة للمتسببين في هذا الإهدار المروع للدماء والجهود.
لغز كهبوب وخيارات التخاذل
يبقى السؤال الأهم معلقاً: ما الذي يدور خلف أستار كهبوب؟
إن القوة الضاربة المتمركزة في قطاع المخا، وسائر القوات المرابطة هناك، تمتلك من الترسانة العسكرية والتجهيزات ما يكفي لردع أي هجوم معادي أو على الأقل صدّه وإيقافه ريثما تصل التعليقات والإسناد. فلماذا تم فتح الطرق برمتها أمام المتقدمين بلا مقاومة تذكر؟
إن قراءة هذا الانسحاب المريب لا تخرج عن سيناريوهات محتملة ومحدودة للغاية:
* الاحتمال الأول (توجيهات عليا مسيّسة): أن تكون القوات قد تلقت أوامر صارمة من قيادات عليا تنفذ أجندات مشبوهة، تهدف إلى إراقة المزيد من الدماء وتأجيج الأحقاد، وهي سياسات لا تخدم سوى القوى المهيمنة على المشهد اليمني شمالاً وجنوباً.
* الاحتمال الثاني (انهيار معنوي وفراغ قيادي): أن يكون الانسحاب ناتجا عن حالة فرار وهبوط معنوي حاد، نتيجة لغياب القيادات الميدانية المحنكة والمجربة، واستبدالها بقيادات رعديدة تفتقر للكفاءة.
إننا نشعر بقلق بالغ ومشروع ونحن نرى أبناءنا يزجّون في جبهات تبدو بلا أفق، تدار برؤى بلهاء وقيادات خجولة لا ترتقي إلى مستوى التضحيات الجسام التي يبذلها الأبطال في الميدان.
والله من وراء القصد
بقلم: صالح ناصر سالم الحنشي (جندي ميداني مخضرم)