كانت المدينة طيفاً منسياً تائها، تتقاذفها أمواج التيه كأنها حاضرة بارتياد الشقاء، تنبض بحياة لا يقبلها ذو لبّ، ولا يرضاها صاحب مروءة. طبقة من الصخب يغشاها ران الجهل، وتتوارى في جنباتها بصائر المعرفة، حتى غدت أيام أهلها هباء منثوراً؛ لا مجد يُبتنى، ولا أمل يُرتجى، يراوحون مكانهم كالساقية الدائرة حول نفسها؛ فلا للوطن شادوا مناراً، ولا لأنفسهم بلغوا درجات المعالي.
وفي عرصات تلك البقعة المكلومة، غابت شريعة الحق وتوارت عدالة الأرض، فصارت الأرزاق غنيمة تُستباح بحد السنان وغلبة الساعد، أو فتاتاً يُستجدى بالذل والمهانة، تسيّرها نواميس باطلة ما أنزل الله بها من سلطان. كانت الغلبة لمن اشتد أزره وقوي ظهره؛ إما بعصبية عمياء لا تفرق بين الحق والباطل، أو بسطوة جند يأتمرون بأمر قائد فظّ، يحسبون كل صيحة عليهم، ويرون في أموال الرعية غنيمة باردة. لقد استحالت المدينة غابة موحشة، يقتات فيها القوي على حطام الضعيف، وفشا فيها التخلف حتى هُجرت الكتاتيب، وصار الصبية في الأزقة حيارى، لا يمسّون كتاباً ولا يعرفون حرفاً.
وكأن الأقدار شاءت أن تطابق الأسماء مسمياتها، وتشي النعوت بكنى قد يستغربها أصحاب العقول الحصيفة؛ فقد تقلّد الرتب من لا يستحقها، وساد القوم أفسدهم، حتى أضحت حياتنا أشبه بعربة تائهة تجرها الخطى نحو الوراء بخطوات مثقلة بالخيبة والأسى.