إن أزمة الدولة في العالم العربي والإسلامي مرهونة بضعف المؤسسات أو الصراعات على السلطة وبصورة أعمق بالسؤال عن الهوية التي ستبني عليها الدولة شرعيتها وحدودها السياسية وعلاقاتها بالمجتمع والمجال الحضاري الذي تنتمي إليه.
فالدولة الحديثة دخلت في مرحلة تتصارع فيها هويات متعددة ؛ الهوية الوطنية والهوية الطائفية والهوية الإثنية والهوية الأيديولوجية والهوية الدينية بينما تتراجع في كثير من الحالات قدرة الدولة على إنتاج هوية سياسية جامعة.
هذه التحولات تفتح مسارا تاريخيا جديدا لا شك فيه لأن تفكك الهوية السياسية لا يبقى طويلا داخل المجال الرمزي وإنما يعيد توزيع لقوة داخل الجغرافيا.
وعندما تفقد الدولة قدرتها على احتكار تعريف المجال العام تبدأ الجماعات السياسية والاجتماعية في إنتاج خرائطها الخاصة للانتماء والحماية والمصلحة.
وعندها تتحول الدولة من مركز جامع للهويات إلى ساحة للصراع بينها.
فالمشروع الذي بدأ بتعزيز الدولة الوطنية بوصفها الوحدة السياسية النهائية قد ينتهي في بعض البيئات إلى إضعاف الدولة نفسها عندما تصبح الهوية الوطنية عاجزة عن استيعاب الهويات الأعمق والأوسع.
فالإنسان قد يكون مواطنا في دولة محددة لكنه في الوقت نفسه ينتمي إلى مجال ديني أو لغوي أو قبلي أو تاريخي يتجاوز حدودها.
وعندما تنفصل الحدود السياسية عن البنية الاجتماعية والحضارية بصورة حادة تصبح الدولة مطالبة بإعادة إنتاج شرعيتها بالقوة أو بالموارد أو بالتحالفات الخارجية.
من هنا يمكن فهم ظاهرة التجزئة وتفكك وحدة المجال السياسي والاجتماعي. فالتجزئة تبدأ حينما يكون لكل جماعة تعريفها الخاص للأمن والعدالة والتهديد والمصلحة ثم تتحول هذه التعريفات إلى مؤسسات وشبكات اقتصادية وأمنية ثم إلى مناطق نفوذ وبعد ذلك يمكن أن تتحول إلى كيانات سياسية أكثر استقلالا.
غير أن هذا المسار لا يعني بالضرورة أن المستقبل يتجه بصورة آلية نحو مزيد من الانقسام.
فالتاريخ السياسي للمجتمعات لا يتحرك في اتجاه واحد ففي النهاية التي تصل فيها التجزئة إلى حدود تعجز فيها الكيانات الصغيرة عن إنتاج الأمن أو الاقتصاد أو النفوذ الخارجي بصورة مستقلة تبدأ الحاجة إلى إعادة بناء المجال الأوسع.
وهنا يظهر المسار المقابل و هو استعادة البنية الحضارية.
إن استعادة البنية الحضارية لا أعني به العودة إلى إمبراطوريات الماضي أو إلغاء الدولة الوطنية.
إن المقصود هو ظهور مستوى جديد من التنظيم السياسي والاجتماعي يتجاوز حدود الدولة دون أن يلغيها بحيث تصبح الدولة جزءا من منظومة كلية تساهم في تثبيت الأمن والاقتصاد والثقافة والمصالح الاستراتيجية وقد تندرج هذه البنية في تكتلات إقليمية أو أسواق مشتركة أو ترتيبات أمنية أو فضاءات ثقافية ولغوية أو شبكات سياسية عابرة للحدود.
وهذا هو جوهر التحول القادم في صراع الهويات ف هل ستنتصر الهوية التي تدفع المجتمع إلى الداخل فتزداد الدولة انغلاقا وتتحول الاختلافات الداخلية إلى حدود سياسية أم ستظهر صيغة قادرة على تحويل التنوع الداخلي إلى بنية حضارية.
المؤشرات الأهم لا توجد فقط في الخطاب السياسي وإنما في الجغرافيا الاقتصادية والأمنية؛ فالممرات البحرية والطاقة والهجرة والأمن الحدودي والمياه والأسواق وسلاسل الإمداد والتكنولوجيا أصبحت جميعها تضغط على الدولة الوطنية لكي تتعاون مع محيطها.
وكلما اتسعت التحديات التي تتجاوز قدرة الدولة المنفردة تراجعت عمليا فكرة الاكتفاء السياسي داخل الحدود القائمة.
في المقابل تستفيد القوى الخارجية من استمرار التجزئة عندما تمنع تشكل مراكز إقليمية قادرة على فرز قرارات مستقلة.
لذلك فإن الصراع على الهوية ليس داخليا بالكامل فكلما ظهرت هوية سياسية تتجاوز الحدود دخلت القوى الدولية والإقليمية في محاولة للتأثير في اتجاهها سواء عبر الاقتصاد أو الأمن أو الإعلام أو التحالفات أو إعادة تشكيل النخب السياسية.
وهكذا تصبح الدولة نفسها ميدانا لصراع مستويين: مستوى يعمل على تثبيت الحدود السياسية باعتبارها الحقيقة النهائية للانتماء ومستوى آخر يرى أن هذه الحدود لا تستطيع وحدها تفسير المصالح والجغرافيا والروابط التاريخية للمجتمع.
وفي العالم العربي تحديدا ستزداد أهمية هذا الصراع مع استمرار التحولات في الخليج والمشرق والبحر الأحمر وشمال أفريقيا.
فالدول التي تستطيع تحويل هويتها الوطنية إلى قاعدة للاندماج الإقليمي قد تنتقل من الدفاع عن حدودها إلى صناعة المجال الذي تتحرك داخله بينما قد تتحول الدول التي تعجز عن بناء هوية سياسية جامعة إلى ساحات تتنافس فيها هويات ومراكز قوى متعددة.
لذلك فإن مستقبل المنطقة لن يتحدد فقط بمن يحكم الدولة وإنما بمن ينجح في تعريف من هي الدولة ولمن تنتمي وما المجال الذي تعتبره مجالا لأمنها ومصالحها ومستقبلها. وهذه النقلة هي التي تجعل صراع الهويات السياسية أعمق من الصراع التقليدي على السلطة.
فالمرحلة المقبلة قد لا تكون مرحلة انهيار الدولة الوطنية ولا مرحلة انتصارها النهائي وإنما مرحلة إعادة تعريفها. وقد تنشأ من داخل التجزئة نفسها الحاجة إلى بنية تعيد ربط الجغرافيا بالاقتصاد والأمن والهوية. .
ان التجزئة واستعادة البنية الحضارية ليسا مسارين منفصلين تماما وانما قد يكون أحدهما مقدمة للآخر. فالتفكك يكشف حدود النموذج القائم والبحث عن بديل يفرض إعادة اكتشاف المجال الأكمل وإذا استطاعت المجتمعات إنتاج صيغة سياسية تستوعب هوياتها المتعددة دون تحويلها إلى حدود صراعية فقد تتحول الهوية من أداة لتفكيك الدولة إلى أداة لإعادة بناء المجال الحضاري.
وهنا تكمن المسألة التاريخية
حول الهويات الجديدة بين أن تكون أداة لتقسيم المنطقة أو أساسا لإعادة تركيبها.
وهذا يتوقف على مدى قدرة المجتمعات والدول على إنتاج مؤسسات جديدة تتناسب مع جغرافيا المصالح الجديدة. وفي هذه تحديدا سيحسم شكل النظام الإقليمي القادم
غير أن اليمن سيضحي بالمزيد موارده وقيمه في هذه الصراعات العبثية الاداتية وسيكون التشيؤ جزءا من المعادلة .
ولن تخرج اليمن مما هي عليه إلا بتشكيل قوى فكرية معتدلة تنطلق من خصوصية اليمن وقيمه وتاريخه وفكره وفي حال تشكلت ستتماهي فيها بقية القوى والمكونات وهذا يعني أن الفكر الجديد سيبدأ محليا ثم يتشكل فيه نموذجا فريدا عابرا ومؤثرا وهو ما يعيد مكانة اليمن أولا مؤثرا لا متأثرا وفاعلا لا مفعولا به .
وفي هذا التحول تتشكل البنية الفكرية التي يؤسس عليها البناء الحضاري .
إن اليمن في مفاهيمه وقيمه أصوليا عندما تغيب الأصول وقيميا عندما تتلاشى القيم ومرجعيا عندما تلتبس المرجعيات وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم أن اهل اليمن اشبه الناس بحج ابراهيم عليه السلام وهو ما يجعل اليمن مرجعا أصوليا لكنه اليوم فقد أصالته بقوى ومكونات مقيدة بالتقليد والتقاليد فرضت نفسها على المجتمع بنفوذ الآخر فكريا واعلاميا وماليا.
إن عودة اليمن لأصوله واستقلاله فرجا للعروبة والاسلام فمنه بداية القيم ومنه بداية التجديد .