آخر تحديث :الجمعة-25 سبتمبر 2026-01:20ص

تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي ومكانته في علم مصطلح الحديث

الخميس - 24 سبتمبر 2026 - الساعة 09:15 م
مجدي الحالمي.


التعريف بالكتاب ومؤلفه


يُعَدُّ كتاب «تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي» للإمام الحافظ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، المتوفى سنة 911هـ، من أشهر الكتب المصنفة في علم مصطلح الحديث وعلومه.


وهو شرح لكتاب «التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير» للإمام الحافظ أبي زكريا يحيى بن شرف النووي، المتوفى سنة 676هـ.


وقد اختصر النووي في «التقريب والتيسير» كتابه «إرشاد طلاب الحقائق إلى معرفة سنن خير الخلائق»، وهو مختصر من «مقدمة ابن الصلاح»؛ ولذلك اتصلت سلسلة التأليف في هذا الباب من «مقدمة ابن الصلاح» إلى «إرشاد طلاب الحقائق»، ثم «التقريب والتيسير»، ثم «تدريب الراوي».


وقد صرّح السيوطي في مقدمة كتابه بسبب تأليفه، فقال:


«وقد طال ما قيدت في هذا الفن فوائد وزوائد، وعلقت فيه نوادر وشوارد، وكان يخطر ببالي جمعها في كتاب، ونظمها في عقد لينتفع بها الطلاب، فرأيت كتاب "التقريب والتيسير" لشيخ الإسلام الحافظ ولي الله تعالى أبي زكريا النواوي، كتابًا جل نفعه، وعلا قدره، وكثرت فوائده، وغزرت للطالبين موائده، وهو مع جلالته وجلالة صاحبه، وتطاول هذه الأزمان من حين وضعه، لم يتصدَّ أحد إلى وضع شرح عليه ولا الإنابة إليه».


«فقلت: لعل ذلك فضل ادخره الله تعالى لمن يشاء من العبيد، ولا يكون في الوجود إلا ما يريد، فقوي العزم على كتابة شرح عليه، كافل بإيضاح معانيه، وتحرير ألفاظه ومبانيه، مع ذكر ما بينه وبين أصله من التفاوت في زيادة أو نقص، أو إيراد واعتراض، مع الجواب عنه إن كان، مضيفًا إليه زوائد علية، وفوائد جلية، لا توجد مجموعة في غيره، ولا سار أحد قبله كسيره، فشرعت في ذلك مستعينًا بالله تعالى، ومتوكّلًا عليه، وحبذا ذاك اتكالًا، وسميته: "تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي"، وجعلته شرحًا لهذا الكتاب خصوصًا، ثم لمختصر ابن الصلاح ولسائر كتب الفن عمومًا».


انظر: «تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي» للسيوطي (1/24،25).


وهذا النص من أهم النصوص في التعريف بالكتاب؛ لأنه يبين بنفسه سبب التصنيف، وأصله، ومنهجه، والغاية التي قصدها مؤلفه.


أهمية كتاب «تدريب الراوي»


تظهر أهمية «تدريب الراوي» في كونه كتابًا جامعًا لمسائل علم مصطلح الحديث وعلومه، فلم يقتصر السيوطي فيه على شرح عبارات «التقريب والتيسير»، بل وسّع مادته، وأضاف إليها فوائد ونقولًا ومسائل من كتب المتقدمين والمتأخرين.


وقد وصف الدكتور محمد بن محمد أبو شهبة الكتاب بقوله:


«ويعتبر شرحًا للتقريب على الخصوص، ثم لكتاب ابن الصلاح وغيره من كتب الفن على العموم، فمن ثم جاء كتاب التدريب أوفى ما كتب في علم مصطلح الحديث وأصوله، وعليه المعول لكل من ألف في الفن بعده، وقد أكثر فيه من النقول والنصوص تاركًا لمن جاء بعده التحقيق والتمحيص والموازنة والترجيح».


انظر: «الوسيط في علوم ومصطلح الحديث» لمحمد بن محمد أبي شهبة (ص 34).


وهذا الوصف يبرز جانبًا مهمًّا من قيمة الكتاب، وهو كثرة ما جمعه السيوطي من النقول والنصوص المتعلقة بعلوم الحديث.


كثرة مصادر الكتاب ونقوله


من أبرز خصائص «تدريب الراوي» كثرة مصادره وتنوعها، فلم يقتصر السيوطي على كتاب «التقريب والتيسير»، وإنما رجع إلى عدد كبير من المصنفات في الحديث ومصطلحه والرجال والتاريخ.


ونقل عن أئمة متقدمين ومتأخرين، ومن أبرز من تظهر آثار كتبهم في «التدريب»: ابن الصلاح، والعراقي، والخطيب البغدادي، والحاكم النيسابوري، وابن حجر العسقلاني، وغيرهم.


ولهذا اشتمل الكتاب على مادة واسعة من أقوال أهل الحديث ومصطلحاتهم وقواعدهم، وجمع مسائل كانت متفرقة في عدد من المصنفات.


ولا تقتصر قيمة هذه النقول على كثرتها، بل إن بعضها ينقل عن كتب ومصادر قديمة، فيكون «التدريب» واسطة في نقل شيء من تراث أهل الحديث إلى من جاء بعد السيوطي.


منهج السيوطي في «تدريب الراوي»


يتضح من مقدمة السيوطي أنه أراد أن يكون كتابه شرحًا وافيًا لـ«التقريب والتيسير»، مع المقارنة بين كلام النووي وأصله، وبيان الزيادات والاعتراضات والإيرادات، ثم إضافة الفوائد التي لا توجد مجموعة في غيره.


ومن أهم ما يدل على ذلك قوله:


«مع ذكر ما بينه وبين أصله من التفاوت في زيادة أو نقص، أو إيراد أو اعتراض، مع الجواب عنه إن كان، مضيفًا إليه زوائد علية، وفوائد جلية، لا توجد مجموعة في غيره، ولا سار أحد قبله كسيره».


انظر: «تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي» للسيوطي (1/25).


فهذا النص يوضح أن السيوطي لم يكن يريد مجرد شرح ألفاظ «التقريب»، وإنما قصد الجمع والتحرير والاستدراك وإضافة الفوائد.


موضوعات الكتاب


اشتمل «تدريب الراوي» على أبواب كثيرة من علوم الحديث، ومن أبرز موضوعاته:


الحديث الصحيح والحسن والضعيف، والمتصل والمرسل والمنقطع والمعضل والمدلس، والمرفوع والموقوف والمقطوع، والمتواتر والمشهور والعزيز والغريب، والشاذ والمنكر والمعلل والمضطرب والمدرج والمقلوب، والجرح والتعديل، ومعرفة الرواة وطبقاتهم، وطرق تحمّل الحديث وأدائه، وآداب المحدث وطالب الحديث، والعلل، ومختلف الحديث، والأسماء والكنى والألقاب والأنساب، ومعرفة الثقات والضعفاء، وغير ذلك من مباحث علوم الحديث.


وهذا الاتساع في موضوعات الكتاب يؤكد أن «تدريب الراوي» تجاوز حدود الشرح المختصر إلى مصنف واسع في علوم الحديث.


سلاسة العبارة ووضوحها


من خصائص «تدريب الراوي» وضوح العبارة وسهولة الأسلوب في كثير من مواضعه، مع اشتماله على مادة علمية واسعة.


وقد قال الشيخ مقبل بن هادي الوادعي: «وأما "تدريب الراوي" فكتاب طيب سهل جدًا».


انظر: «تحفة المجيب على أسئلة الحاضر والغريب» لمقبل بن هادي الوادعي (ص 98).


وهذه السهولة لا تعني أن جميع مسائل الكتاب في درجة واحدة من الوضوح؛ إذ يشتمل على مسائل دقيقة ونقول كثيرة تحتاج إلى مراجعة المصادر الأصلية عند التحقيق.


الاستقصاء وجمع الفوائد


من أبرز خصائص الكتاب عناية السيوطي بجمع الفوائد واستقصاء ما تفرق في كتب أهل العلم.


وقد قال في مقدمة كتابه:


«وقد طال ما قيدت في هذا الفن فوائد وزوائد، وعلقت فيه نوادر وشوارد، وكان يخطر ببالي جمعها في كتاب، ونظمها في عقد لينتفع بها الطلاب».


انظر: «تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي» للسيوطي (1/24).


وهذا يدل على أن من مقاصد السيوطي الأساسية جمع ما تفرق لديه من فوائد هذا العلم، وإدخاله في كتاب ينتفع به طلاب الحديث.


مكانة «تدريب الراوي» بين كتب المصطلح


برز بعد ابن الصلاح عدد من المصنفات المهمة في علوم الحديث، ومن أشهرها «التقييد والإيضاح لما أطلق وأغلق من كتاب ابن الصلاح» للعراقي، و«فتح المغيث بشرح ألفية الحديث» للسخاوي، و«تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي» للسيوطي، ثم مصنفات أخرى جاءت بعد ذلك.


ويتميز «فتح المغيث» بكونه شرحًا لألفية العراقي، بينما «تدريب الراوي» شرح لـ«تقريب النووي». ولذلك لا يصح جعل «نزهة النظر» أصلًا مباشرًا مشتركًا لهذه الكتب.


وقد استفاد السيوطي من كتب ابن حجر وغيره، ونقل عنها في مواضع متعددة، كما أن «التدريب» نفسه صار مصدرًا لمن جاء بعده.


صلة «تدريب الراوي» بتراث ابن الصلاح


ترجع أهمية «تدريب الراوي» أيضًا إلى صلته الوثيقة بتراث ابن الصلاح؛ فالنووي اختصر كتابه في مصنفاته في علوم الحديث، ثم جاء السيوطي فشرح «التقريب»، وجعل كتابه أيضًا شرحًا لمختصر ابن الصلاح ولسائر كتب الفن.


ولهذا يمكن النظر إلى «تدريب الراوي» باعتباره مرحلة مهمة في سلسلة انتقال مسائل علم المصطلح من كتب المتقدمين إلى مصنفات المتأخرين.


أثر الكتاب في طلاب علم الحديث


انتشر «تدريب الراوي» بين طلاب علم الحديث، لما جمعه من مسائل هذا الفن، ولما امتاز به من كثرة النقول والفوائد.


وقد ساعدت طبيعته الجامعة على جعله كتابًا يرجع إليه طالب العلم في أبواب متعددة، بدل الرجوع في كل مسألة إلى عدد كبير من الكتب، مع بقاء الحاجة إلى الرجوع إلى المصادر الأصلية عند إرادة التحقيق والتثبت من الألفاظ والنقول.


الخلاصة


يُعَدُّ «تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي» من المصنفات البارزة في علم مصطلح الحديث، وقد جمع فيه الحافظ جلال الدين السيوطي مادة واسعة من مسائل هذا العلم ونقول العلماء وفوائدهم.


وتتمثل أبرز خصائص الكتاب في الجمع والاستقصاء، وكثرة النقول، وتنوع المصادر، ووضوح العبارة، وكثرة الفوائد.


كما أن السيوطي لم يقصد أن يكون كتابه مجرد شرح لألفاظ «التقريب والتيسير»، وإنما نص على أنه جعله شرحًا لهذا الكتاب خصوصًا، ولمختصر ابن الصلاح ولسائر كتب الفن عمومًا.


ومن هنا تظهر مكانة «تدريب الراوي» في تاريخ التأليف في مصطلح الحديث، إذ يمثل مرحلة متقدمة من مراحل جمع مسائل هذا العلم وترتيبها وشرحها، ويتيح للباحث الاطلاع على قدر كبير من تراث المحدثين وأهل المصطلح قبله.


ومع ذلك، فإن طبيعة الكتاب القائمة على كثرة الجمع والنقل تقتضي من الباحث، عند إعداد بحث علمي محقق، الرجوع إلى المصادر الأصلية ومقابلة النقول بأصولها، وعدم الاكتفاء بالعزو إلى «تدريب الراوي» وحده.


والله أعلم.

[مجدي الحالمي]