آخر تحديث :الأحد-01 نوفمبر 2026-10:12م

هل المجرم يولد مجرماً ؟

الثلاثاء - 22 سبتمبر 2026 - الساعة 05:03 م
فادي الفقيه


يظن الإنسان أنه سيد قراراته، لكن جسده يحمل شفرات سبقت وعيه.. قبل أن يتعلم

الإنسان كيف يحب، وكيف يخاف، وكيف يغضب، وكيف يختار، وقبل أن تتشكل

أفكاره ومعتقداته، وقبل أن يخوض تجاربه الأولى مع الحياة، كانت هناك لغة صامتة

تعمل في أعماقه، لغة لا يسمعها ولا يراها، لكنها تبنيه جزءاً جزءاً، وخلية تلو

الاخرى، إنها لغة الجينات، ذلك الجزء من وجودنا الذي ورثناه قبل أن نمتلك القدرة

على السؤال: كيف سنكون؟

لطالما كانت الطبيعة البشرية واحدة من أكثر الأسئلة إثارة للحيرة في تاريخ الفكر

الإنساني، فمنذ أن بدأ الإنسان يتأمل ذاته، وهو يحاول أن يعرف هل يولد الإنسان

خيراً ثم تفسده الحياة؟ أم أنه يحمل في داخله نزوعاً إلى الشر، ثم تأتي القوانين

والتربية والمجتمع لتضبطه؟ وهل الإنسان ابن فطرته، أم ابن بيئته، أم أن الحقيقة

أكثر تعقيداً من أن تُختزل في أحدهما؟

لقد رأى بعض الفلاسفة مثل توماس هوبز "أن الإنسان يحمل في طبيعته نزعة

الصراع والأنانية"، بينما رأى آخرون مثل جان جاك روسو "أن الخير هو الأصل"،

وأن المجتمع والظروف هما ما يدفعان الإنسان إلى الانحراف للشر، وبين هذين

التصورين ظل الإنسان يبحث عن تفسير لسلوكه، وكأننا نحاول منذ آلاف السنين أن

نفك شفرة كائن يعيش داخل نفسه، ولا يستطيع أن يرى جميع مكوناته.

ثم جاءت العلوم الحديثة لتضيف لهذا التساؤل بعداً أعمق واكثر تعقيداً، فلم يعد

الإنسان مجرد روح تتصارع مع المجتمع، ولا عقلاً تصنعه التربية وحدها، بل

أصبح أيضاً كائناً بيولوجياً يحمل مادة وراثية تشارك في بناء جسده وجهازه

العصبي، وتتحكم في ديناميكية الاستجابة للمؤثرات الداخلية والخارجية للإنسان.

إن الحمض النووي ( (DNA ليس مجرد مادة تحدد لون العينين أو شكل الشعر أو

بعض الصفات الجسدية، وليس مجرد سجل لبعض الأمراض الوراثية، بل مادة تحمل

التعليمات الأساسية التي تسهم في بناء أجسادنا وتنظيم وظائفها الحيوية، والجينات

التي يتكون منها يمكن أن ترتبط، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بخصائص

بيولوجية لها صلة بالمزاج وانماط الشخصية، والصفات السلوكية وبمدى الاستجابة

للضغط والمواقف المختلفة.

وهنا تبدأ المنطقة الأكثر إثارة، فقد يولد طفلان داخل الأسرة نفسها، وتحت سقف

واحد، ويتلقيان قدراً متقارباً من التربية، ثم يكبران وكأن لكل واحد منهما نافذة

مختلفة يطل منها على العالم، أحدهما أكثر هدوءاً، والآخر أكثر اندفاعاً، أحدهما يميل

إلى العزلة، والآخر يبحث عن الناس، أحدهما يحب المخاطرة، والآخر يتشبث

بالأمان، وقد تتشابه ظروفهما، ومع ذلك لا تتطابق شخصيتاهما.

فهل كانت الحياة وحدها هي التي صنعت هذا الاختلاف؟

ربما لا

لكن هل الجينات وحدها صنعت ذلك؟

أيضاً لا

وهنا تكمن الحقيقة التي تجعل الإنسان أكثر تعقيداً من كل التفسيرات، فنحن لسنا نتاج

الجينات وحدها، ولا نتاج البيئة وحدها، بل نتاج العلاقة المستمرة بين الاثنين، فالجين

لا يكتب بالضرورة سلوكاً محدداً، ولا يوجد في داخل الإنسان كتاب وراثي صريح

يقول له: ستكون شاعراً، أو قائداً، أو عدوانياً، أو مسالماً، إنما قد تمنح الجينات

الإنسان استعدادات معينة، وتأتي الحياة لتمنح تلك الاستعدادات اتجاهها، إما بتفعليها

فتصبح صفة ظاهرة، أو بتثبيطها فتظل صفة خفية.

قد يولد شخص أكثر حساسية للمواقف والانفعالات، ثم تأتي التربية فتعلّمه كيف يفهم

حساسيته ويضبطها، وقد يولد آخر أكثر اندفاعاً، ثم تمنحه التجارب والتعليم القدرة

على تحويل اندفاعه إلى شجاعة ومبادرة، وقد يمتلك إنسان استعداداً للقلق، لكنه

يعيش في بيئة تمنحه الأمان، فيبقى هذا الاستعداد محدود الظهور، بينما قد تدفعه بيئة

أخرى مليئة بالخوف والتهديد إلى الظهور بصورة أكثر وضوحاً.

وهنا لا تعود البيئة مجرد خلفية لحياة الإنسان، بل تصبح جزءاً من عملية تشكيله،

فالإنسان لا يعيش جيناته في فراغ.. إنه يعيشها داخل أسرة، ومدرسة، ومدينة،

وثقافة، وعلاقات، وحروب، وخيبات، وانتصارات، وحب، وفقد، وحرمان، وأمل،

وكل تجربة من هذه التجارب يمكن أن تدخل في علاقة مع ما يحمله الإنسان من

استعدادات جينية ، فتقوي بعضها، أو تخفف بعضها، أو تغير طريقة ظهورها.

والسؤال هنا: هل المجرم يولد مجرماً؟

إن العلم لا يقول إن هناك (جيناً للجريمة) يجعل الإنسان مجرماً بمجرد ولادته،

فالجريمة ليست صفة وراثية بسيطة تنتقل كما ينتقل لون العين أو فصيلة الدم، وإنما

قد يحمل الإنسان بعض الاستعدادات البيولوجية، والنواقل العصبية التي تجعل جهازه

العصبي أكثر قابلية لأنماط معينة من السلوك الاجرامي، ثم تأتي البيئة والتربية

والتجارب لتدفع هذه الاستعدادات نحو الظهور أو الكبح.

وهنا تصبح المسألة أكثر عمقاً: ربما لا يولد الإنسان مجرماً، لكنه قد يولد ببعض

القابليات التي يمكن أن تجعل طريق الجريمة أسهل إذا التقت ببيئة تدفع وتهيئ لذلك،

بينما إنسان آخر لم يولد بهذه القابلية أو الاستعداد، فالبتالي السلوك الاجرامي يكون

بالنسبة له سلوك مرفوض.

فالجينات قد تضع الاحتمال، والحياة قد تمنحه الاتجاه، أما السلوك النهائي فهو نتاج

شبكة معقدة من البيولوجيا والايكولوجيا والتجربة والوعي والظروف المختلفة.

وهنا تظهر مفارقة الإنسان الكبرى..

نحن نبدأ بشيء لم نختره، ثم نقضي حياتنا في محاولة اختيار ما سنصبح عليه، لم

نختر جيناتنا، ولا أسرتنا الأولى، ولا ملامحنا، ولا كثيراً من الظروف التي فتحت

أعيننا عليها، لكننا مع مرور الوقت، نكتسب قدرة متزايدة على فهم أنفسنا، ومقاومة

بعض نزعاتنا، وتطوير بعضها الآخر، وتحويل بعض ما ورثناه إلى صفة جديدة.

ولهذا فأن القول بأن الجينات تؤثر في السلوك لا يعني أن الإنسان مسلوب الإرادة،

كما أن القول بأن البيئة تؤثر في الإنسان لا يعني أنها تتحكم فيه بالكامل، فالإنسان


ليس آلة بيولوجية تتحرك وفق برنامج مغلق، كما أنه ليس صفحة بيضاء تكتب عليها

الحياة ما تشاء، إنه مساحة معقدة يلتقي فيها الموروث بالمكتسب، والجسد بالوعي،

والغريزة بالتربية، والاستعداد بالتجربة.

وربما يكون أجمل ما في الإنسان أنه لا يُختزل في ما ورثه، فقد يرث الإنسان خوفاً،

لكنه يتعلم الشجاعة، وقد يحمل استعداداً للغضب، لكنه يتعلم الصبر، وقد ينشأ في بيئة

قاسية، لكنه يختار أن يكون رحيماً، وقد يحمل داخله نزعات لا ارادية، لكنه يملك

الوعي الكافي كي بكبح جماحها.

وفي النهاية، ربما لا يكون الإنسان خيراً أو شريراً بالفطرة كما أراد الفلاسفة أن

يختصروا طبيعته، وربما لا يكون أيضاً مجرد نتاج لبيئته أو أسيراً لجيناته، إنه كائن

أكثر تعقيداً، فالجينات قد تكتب بداية الحكاية، والحياة قد تكتب فصولها، ويظل

الانسان نتيجة هذا وذاك.