تدخل وزارة الدفاع مرحلة مهمة من التطوير والتحديث التنظيمي، في ظل توجه معالي وزير الدفاع الفريق الركن الدكتور طاهر العقيلي ورؤيته الشاملة نحو إعادة ترتيب البيت الداخلي وتعزيز كفاءة البناء المؤسسي للقوات المسلحة، من خلال جملة من الإجراءات والتغييرات التي شملت مختلف المستويات القيادية، من مساعدي الوزير ورؤساء الهيئات، وصولًا إلى مديري الدوائر وقادة المحاور والألوية.
وتأتي هذه التغييرات في إطار توجه يهدف إلى تجديد الطاقات، وتدوير الكفاءات، والاستفادة من الخبرات، بما يعزز الانضباط ويرفع مستوى الأداء، ويجعل المؤسسة العسكرية أكثر قدرة على الاستجابة لمتطلبات المرحلة، ميدانيًا وإداريًا.
ولا تقتصر عملية الإصلاح على الجانب القيادي، بل تمتد إلى الجوانب المالية والإدارية، وفي مقدمتها التوجه نحو صرف مرتبات منتسبي القوات المسلحة عبر البنوك مباشرة، وهي خطوة لقيت ارتياحًا كبيرًا في صفوف منتسبي القوات المسلحة، ويمكن أن تسهم في تعزيز الشفافية وحماية حقوق الأفراد، وضمان وصول مستحقاتهم إلى حساباتهم المصرفية بعيدًا عن الوسطاء وأي استقطاعات غير قانونية.
كما أن الانتقال إلى نظام مؤسسي أكثر وضوحًا في إدارة الموارد والمرتبات من شأنه أن يعزز مبادئ الحوكمة والنزاهة، ويربط بين قيادة الوزارة وهيئاتها ودوائرها ومحاورها القتالية وفق آليات عمل أكثر تنظيمًا ووضوحًا وشفافية.
إن بناء مؤسسة عسكرية قوية لا يرتبط بالقدرة القتالية وحدها، بل يحتاج أيضًا إلى إدارة حديثة، وهيكل تنظيمي واضح، وعدالة في التعامل مع منتسبي المؤسسة، وحماية حقوقهم المادية والمعنوية.
ومن هنا، فإن نجاح هذه الإجراءات واستمرارها وفق أسس مؤسسية وقواعد واضحة يمكن أن يشكل خطوة مهمة نحو استعادة الثقة، وترسيخ هيبة المؤسسة العسكرية، وبناء جيش وطني أكثر مهنية وانضباطًا وقدرة على أداء مسؤولياته.
فالقرارات الإدارية والمالية، مهما كانت جريئة، لا تصبح إصلاحًا حقيقيًا إلا عندما تتحول إلى ممارسة مؤسسية مستدامة، يشعر بنتائجها كل منتسب للمؤسسة العسكرية، ويجد فيها أساسًا للعدالة وتكافؤ الفرص وحماية الحقوق.
وفي النهاية، فإن المؤسسة العسكرية لا تستطيع أن تستعيد قوتها وهيبتها ما لم تبدأ بإصلاح بيتها الداخلي، وتضع أسسًا واضحة للكفاءة والانضباط والشفافية والعدالة. فكل إصلاح حقيقي في الميدان يبدأ بإصلاح المؤسسة من الداخل، وكل جيش قوي يحتاج، قبل قوته القتالية، إلى مؤسسة قوية تحكمها الأنظمة وتحمي حقوق منتسبيها.