غدت مدينة عدن اليوم أشبه بسجن كبير للمواطن الذي يُطحن يومياً بين مطرقة فساد السلطة ( الشرعية ) وسندان المليشيات المموّلة من الخارج ، لقد تحولت هذه المدينة العريقة ، التي عرفت تاريخياً بمدنيتها الفريدة وحاضنتها للتعايش بين مختلف الأجناس والأعراق والأديان والمذاهب ، يوماً بعد آخر إلى أن أصبحت عدن بيئة خانقة يتجرع فيها المواطن مرارة الظلم والبغي والطغيان .
ويتجلى هذا الواقع المأساوي في عسكرة الحياة المدنية ، ونشر الفوضى من قِبل مليشيات مناطقية مسلحة تنفذ أجندات خارجية بغض النظر عن التسميات ، تغذي الصراعات وتهدف إلى تمزيق النسيج الاجتماعي ، في ظل سلطة أمر واقع عاجزة ، فاسدة وفاشلة ، تركت الناس يواجهون بمفردهم ثالوث الفقر والمرض وانعدام الأمن .
وتتبدى عسكرة الحياة وفوضى السلاح على أرض الواقع من خلال الغياب التام لهيبة الدولة وسيادة القانون ، لصالح قوى عسكرية حولت الطرقات والشوارع في نظرها إلى ساحات لاستعراض القوة والأطقم والآليات بهدف ترهيب المواطنين المسالمين ، في عملية تخريب مقصودة لمدنية عدن وإرثها الثقافي والاجتماعي .
وفي المقابل، يتجسد الفساد المدمر لسلطة أمر الواقع الفاسدة الفاشلة في الانعدام شبه التام للعدالة ، والغياب الشامل للأمن والخدمات الأساسية ، فلا كهرباء تطفئ حر الصيف ، ولا مياه صالحة للشرب ، فضلاً عن تدهور القطاع الصحي وعجز المستشفيات عن تقديم الحد الأدنى من الرعاية الطبية. يضاف إلى ذلك انهيار العملية التعليمية الذي يهدد بتجهيز جيل بلا مستقبل ، وطفح مياه الصرف الصحي وغياب النظافة مما تسبب في انتشار الأوبئة والأمراض .
ويترافق هذا التردي الخدمي مع انهيار اقتصادي كارثي يسحق المواطن جراء التراجع المرعب لسعر صرف العملة المحلية أمام العملات الأجنبية ، والغلاء الجنوني في أسعار المواد الغذائية الأساسية والوقود ، فضلاً عن عدم انتظام صرف الرواتب وفقدانها الكامل لقيمتها الشرائية . إن هذا الفقر المدقع الذي بات يبتلع الأسر ويجبر الأطفال على ترك مقاعد الدراسة ، هو النتاج الطبيعي لفساد السلطة وتواطؤها ، وغياب المحاسبة ، وتوفير الحماية للفاسدين على حساب قوت الشعب المطحون .
إن المشهد السياسي في عدن اليوم يرتكز على استغلال المعاناة الإنسانية لتحقيق مكاسب سياسية ضيقة ، وسط صمت رسمي مطبق تجاه الكارثة اليومية التي يعيشها المواطن .
ختاماً لا يمكن لعدن أن تستعيد روحها وهويتها إلا برفع الغطاء عن المليشيات ، وإنهاء عسكرة الحياة المدنية، ومحاسبة الفاسدين، والإنقاذ الفوري للعملة المحلية والخدمات الأساسية .
عبدالكريم الدالي