آخر تحديث :الأحد-27 سبتمبر 2026-01:51ص

أصبحت القبلة هدفًا للإرهاب الحوثي!

الأربعاء - 16 سبتمبر 2026 - الساعة 02:07 م
عبدالعزيز الحمزة


تسقط الشعارات حين تكون مجرد ذريعة، وتبقى الحقائق وحدها تتحدث.

ومن اقبح هذه اللحظات أن تتجه طائرة مسيّرة نحو مكة المكرمة، قبلة المسلمين ومهوى أفئدتهم، لتكشف بوضوح الفارق الهائل بين الادعاءات التي تُرفع في حناجر المنافقين الارهابيين، والوقائع التي تُكتب في الميدان.

فمكة ليست مدينة عادية يمكن أن تُدرج ضمن بنك أهداف الصراعات والحروب، وليست مجرد موقع جغرافي على خارطة المنطقة، بل هي رمز ديني وحضاري وإنساني تتجه إليه قلوب أكثر من مليار مسلم، وتحمل في وجدان الأمة الإسلامية مكانة لا تضاهيها مكانة أخرى.

ولذلك فإن مجرد توجيه التهديد نحوها لا يمثل جريمة أمنية فحسب، بل اعتداءً على قدسية المكان وعلى مشاعر المسلمين في كل أنحاء العالم.

هذه الواقعة تكشف حقيقة لا ينبغي تجاهلها، وهي أن المشاريع المؤدلجة والوظيفية، التي تتغذى على الحروب والفوضى لا تتوقف عند حدود معينة، ولا تقف أمامها اعتبارات دينية أو أخلاقية عندما تتعارض مع أهدافها السياسية والعسكرية.

فالجماعات المسلحة الخارجة عن إطار الدولة لا تزدهر في أجواء الاستقرار، بل تستمد قوتها من استمرار الصراع، وتجد في الأزمات الممتدة بيئة مثالية للنمو والتوسع وفرض النفوذ.

ومن هنا تبدو المفارقة صارخة؛ فالحوثيون الذين قدموا أنفسهم لسنوات طويلة تحت شعارات الدفاع عن الأمة وحماية المقدسات، يجدون أنفسهم اليوم في مواجهة سؤال لا تستطيع الشعارات الإجابة عنه: كيف يمكن لمن يدّعي حماية المقدسات أن تصبح مكة المكرمة ضمن دائرة التهديد المنطلقة من مناطق سيطرته؟ وكيف يمكن لمشروع يرفع رايات الدفاع عن قضايا المسلمين أن يضع أقدس بقاع المسلمين في مرمى الخطر؟

إن الوقائع وحدها هي التي تجيب، فالسنوات الماضية أثبتت أن اليمن كان الضحية الأولى لهذا المشروع؛ دولة جرى الانقلاب عليها، ومدن استنزفتها الحرب، وملايين اليمنيين دفعوا ثمنًا باهظًا من أمنهم واقتصادهم ومستقبل أبنائهم. ثم تمددت دائرة التهديد إلى ما وراء الحدود، لتشمل الأعيان المدنية والممرات البحرية الحيوية وأمن المنطقة بأسرها.

ويرى كثير من المراقبين أن هذا السلوك لا يمكن فصله عن طبيعة الارتباطات الإقليمية التي جعلت الحوثيين جزءًا من شبكة نفوذ أوسع تقودها إيران في المنطقة، حيث تتحول الجماعات المسلحة إلى أدوات ضغط وصراع تتجاوز حدود أوطانها ومصالح شعوبها. وعندما يحدث ذلك، تصبح الأولوية لخدمة أجندات الصراع، لا لحماية الأوطان ولا لصون المقدسات.

لقد نجحت المملكة العربية السعودية في إحباط هذا الاعتداء وحماية أراضيها ومقدسات المسلمين، لكن الدرس الأهم يتجاوز نجاح عملية الاعتراض نفسها. فالحادثة تؤكد مجددًا أن خطر المليشيات لا يهدد دولة بعينها، بل يهدد الاستقرار الإقليمي كله، وأن مواجهة الإرهاب ليست دفاعًا عن الحدود فقط، بل دفاع عن القيم التي تحفظ للأمة وحدتها، وللمقدسات حرمتها، وللشعوب حقها في الأمن والسلام.

ستبقى مكة المكرمة أكبر من أن تنال منها طائرة مسيّرة أو مشروع قائم على العنف والفوضى. أما هذه الجريمة، فقد كشفت مرة أخرى أن أخطر ما في الإرهاب ليس قدرته على التدمير فحسب، بل قدرته على المتاجرة بالمقدسات باسم حمايتها، قبل أن يوجه تهديده إليها. وعند هذه النقطة تسقط الأقنعة، وتتحدث الحقيقة بصوت لا تستطيع الشعارات أن تغطيه.