اهدئي قليلًا، فاليمن أكبر من منصتك
يا توكل كرمان، يبدو أنك ما زلتِ تعيشين في عام 2011، وكأن عقارب الساعة توقفت عند الخيام والميكروفونات والهتافات، وكأن اليمن لم يدفع بعد ذلك كله ثمنًا باهظًا من الدم والانقسام والخراب.
نعم، حصلتِ على جائزة نوبل، وهذا أمر لا ينكره أحد، والجائزة منحتك حضورًا عالميًا كبيرًا. لكن المشكلة أنك تتعاملين معها أحيانًا وكأنها بطاقة مرور دائمة إلى قلوب اليمنيين، أو حصانة سياسية تمنع أحدًا من مساءلتك أو نقد مواقفك.
وهنا نقول لك بكل وضوح: لا يا توكل.
نوبل جائزة، وليست صك ملكية لليمن.
والشهرة حضور، وليست تفويضًا شعبيًا.
والمنصة الدولية مهمة، لكنها لا تجعل صاحبها فوق النقد.
لقد تغير اليمن كثيرًا منذ 2011، وتغيرت معه أسئلة الناس وأولوياتهم. المواطن الذي كان يهتف في الشارع أصبح اليوم يسأل عن راتبه، وأمنه، ومستقبل أبنائه، وعن الدولة التي كان يحلم بها. أما الخطاب الذي لا يزال يكرر مفردات الماضي نفسها، ثم يتعامل مع كل مخالف باعتباره عدوًا أو فاسدًا أو خائنًا، فقد استهلك نفسه.
يا توكل، اختلفي كما تشائين، لكن لا تتحدثي وكأنك الناطق الرسمي باسم اليمن كله.
اليمن ليس حسابك على مواقع التواصل، وليس جمهور المؤتمرات التي تحضرينها، وليس الصور التي تجمعك بالشخصيات الدولية، وليس العناوين التي تصنع لك حضورًا إعلاميًا.
اليمن ملايين البشر؛ في صنعاء وعدن وتعز وحضرموت والمهرة وشبوة والضالع وإب والحديدة ومأرب وسائر المحافظات. هؤلاء ليسوا كتلة واحدة، ولا يفكرون بالطريقة التي تفكرين بها، ولا ينتظرون منك تحديد من هو الوطني ومن هو الخائن.
والأكثر غرابة أنك كلما اختلفتِ مع شخص، تحولتِ فجأة إلى قاضية سياسية تمنحه أو تسحب منه شهادة الوطنية!
من أعطاك هذه الصلاحية؟
ومن قال إن من يقف ضد رأيك يقف ضد اليمن؟
هذه عقلية لا تبني دولة، وإنما تعيد إنتاج الخصومة نفسها التي أنهكت اليمنيين.
ثم إن رفع الصوت ليس دليل قوة، وكثرة التغريدات ليست مشروعًا سياسيًا، والقدرة على صناعة الجدل ليست هي القدرة على صناعة الدولة.
السياسة ليست مسابقة في الصراخ، ولا معركة من يكتب العبارة الأكثر استفزازًا. السياسة مسؤولية، وتوازن، وقدرة على رؤية الصورة كاملة، والاعتراف بأن الآخرين أيضًا يملكون حق التفكير والاختلاف.
لقد أخطأ كثيرون في اليمن، وأنتِ لستِ استثناءً من قاعدة الخطأ.
وإذا كان من حقك أن تنتقدي الآخرين، فمن حق اليمنيين أن ينتقدوك. وإذا كان من حقك فتح ملفات الماضي، فمن حق الناس أن يسألوك عن نتائج ذلك الماضي. وإذا كنتِ تطالبين الآخرين بالمراجعة، فالمراجعة يجب أن تبدأ من الذات.
ماذا بعد خمسة عشر عامًا؟
هذا هو السؤال الذي يجب أن يكون حاضرًا.
ماذا تحقق من الأحلام التي تحدثتم عنها؟
أين هي الدولة التي وعد بها الخطاب الثوري؟
أين هي الحياة الأفضل التي كان المواطن ينتظرها؟
لماذا انتهى اليمن إلى هذا الكم الهائل من الانقسام والتشظي والصراع؟
ومن المسؤول عن مراجعة الأخطاء بدل الاستمرار في توزيع الاتهامات؟
هذه أسئلة مشروعة، ولا يجوز إسكاتها بجملة: «أنا حاصلة على نوبل».
فالجائزة لا تجيب عن الأسئلة السياسية، والشهادة الدولية لا تلغي حق الناس في المحاسبة الفكرية والسياسية.
بل ربما العكس تمامًا؛ كلما كان الإنسان أكثر شهرة، أصبحت مسؤوليته أكبر، وأصبح مطلوبًا منه أن يكون أكثر هدوءًا واتزانًا في خطابه.
يا توكل، اليمن لا يحتاج منك أن تكوني أعلى صوتًا؛ يحتاج منك أن تكوني أكثر عقلًا.
لا يحتاج إلى خصومة جديدة كل صباح، ولا إلى معركة جديدة كل مساء، ولا إلى تحويل كل قضية إلى مناسبة لإعادة إنتاج الاستقطاب.
اليمن يحتاج إلى خطاب يطفئ الحرائق، لا إلى خطاب يزيدها اشتعالًا.
ويحتاج إلى سياسيين ومثقفين وناشطين يقولون للناس الحقيقة حتى عندما تكون مؤلمة، لا إلى من يصفق لجمهوره ويمنحه ما يريد سماعه.
أما أن يظل كل حديثك قائمًا على ثنائية: «أنا ومن معي في جهة، والآخرون في جهة أخرى»، فهذه ليست سياسة ناضجة؛ هذه إعادة تدوير للصراع.
وإذا كنتِ فعلًا تريدين أن تعرفي مكانتك الحقيقية، فلا تنظري إلى قاعات المؤتمرات ولا إلى عدد الدعوات التي تصلك من الخارج.
انظري إلى اليمنيين أنفسهم.
استمعي إلى المؤيد والمعارض، إلى من يحبك ومن ينتقدك، إلى من شاركك الطريق ومن اختلف معك، ودعي الناس يتحدثون بعيدًا عن هالة الشهرة.
هناك ستعرفين أن الصورة التي تصنعها المنصات الدولية ليست بالضرورة الصورة نفسها التي يراها المواطن اليمني.
ولا يعني هذا أن الجميع ضدك، كما لا يعني أن الجميع معك. لكنه يعني شيئًا واحدًا:
أنك مثل أي شخصية سياسية أخرى؛ قابلة للنقد، وقابلة للمراجعة، وليست فوق السؤال.
والحقيقة أن اليمنيين تعبوا من الشخصيات التي تقدم نفسها باعتبارها «الممثل الوحيد» للقضية، أو «الصوت الوحيد» للشعب، أو «الحارس الوحيد» للجمهورية.
لا أحد يملك اليمن.
لا حزب يملكه.
ولا جماعة تملكه.
ولا ثورة تملكه.
ولا شخصية سياسية تملكه.
ولا جائزة دولية تمنح أحدًا حق امتلاكه.
اليمن ملك اليمنيين جميعًا.
فخففي قليلًا من نبرة الوصاية، وخففي من معاركك اليومية، واتركي لليمنيين مساحة ليفكروا بأنفسهم.
ومن أراد أن ينتقد شخصية سياسية، فليقدم حجته.
ومن أراد الدفاع عن موقفه، فليقدم دليله.
أما الشتيمة والتخوين والتعالي، فلا تصنع احترامًا، ولا تبني دولة، ولا تعيد وطنًا ممزقًا.
وفي النهاية، تذكري أن التاريخ لا يحفظ للناس عدد المرات التي صرخوا فيها، بل يحفظ ما تركوه خلفهم.
فالجائزة تُمنح مرة، والشهرة قد تستمر سنوات، لكن الحكم الحقيقي يبقى للتاريخ وللناس.
واليمن أكبر بكثير من أن يختصر في صورة واحدة، أو اسم واحد، أو رواية واحدة.
اهدئي يا توكل...
فاليمن أكبر من منصتك، وأكبر من خصوماتك، وأكبر من أن يكون مجرد فصل طويل في سيرتك السياسية.