آخر تحديث :الإثنين-14 سبتمبر 2026-07:05ص

الموسم الوطني للاتجار بالشعارات والرموز الوطنية.

الأحد - 13 سبتمبر 2026 - الساعة 10:50 م
بليغ الصبري


ليس غريباً على بلد يعيش أبناؤه ما يربو على عقد ونصف من الصراع، أن تتحول فيه المناسبات الوطنية إلى مواسم تجارية، ينتظرها الفقراء والمستضعفون لتأمين لقمة العيش؛ وتصبح الشعارات والرموز الوطنية هي السلع التي تعتق أثمانها الزهيدة أسر كاملة من رزايا الجوع، وهذا ما يحدث في اليمن عامة، وفي تعز خاصة.


قطعة قماش... قد تحدد المصير.


على أحد الأرصفة في شوارع مدينة تعز، يقعد شيخ ثمانيني مترقباً بعينيه الغائرتين وسط زغب الشيب ثروته ورأس ماله ومصدر عيشه وأسرته، المتمثلة في قطع قماش ملونة بثلاثة ألوان (أحمر، أبيض، أسود) بتنسيق إبداعي محكم وموحد. تنشر تلك القطع على حبل يمتد بين شجرتين، وأخرى معلقة على صواري صغيرة أو عصي منتصبة تموجها الرياح كلما هبت ليخفق لها قلبه مع كل موجة وهبة نسيم، خوفاً من أن تسقط قطعة واحدة. ينهض منتشياً كلما سقطت ليعيدها إلى مكانها، ويبذل قصارى جهده في تأمينها تجنباً لتكرار سقوطها، ودرءاً لحزن يدمي قلبه كلما اختطفت الرياح واحدة وأخذتها بعيداً عنه ليكون ضياعها محققاً.

نعم هي قطع قماش، لكنها بالنسبة له تمثل أعز ما يملك، نظراً لقيمتها الثمينة المكتنفة في فؤاده وقدسيتها التي تملأ فراغ روحه وتشحذ بالسعادة وجدانه؛ وبهذا كله تتعدى كونها مجرد أقمشة لتصبح محدداً مصيرياً تتوقف عليها حياته وحياة أسرته.



فيمَ تكمن قيمة الرموز الوطنية؟


هكذا يتحول الوطن -في زمن الحرب- إلى مادة عارضة للبيع والشراء، لا كفكرة سامية تعلو على الجراح، بل كسلعة موسمية ترتفع أسعارها وتنخفض بحسب تقويم الاحتفالات الرسمية والشعبية. وحين تتآكل الدولة وتتلاشى شبكات الأمان الاجتماعي، يصبح العلم الوطني، بثلاثيته المقدسة، آخر خط دفاع يملكه الفقير ضد شبح الجوع، وآخر ما تبقى له من حيلة ليثبت أنه ما زال على قيد الحياة.



المفارقة الموجعة


لم يعد خافياً أن هذه "المواسم الوطنية" لا تحمل في طياتها للفقراء سوى الفتات. فبينما تُصرف الموازنات الباهظة على اللافتات الكبرى والشعارات الرنانة التي تُعلّق في الواجهات والاحتفالات الفارهة، يقف هذا الشيخ ومعه المئات من الباعة المتجولين على حافة المشهد، يترقبون بشغف لحظة انتعاش تجاري مؤقتة ترتبط بذكرى ثورة أو مناسبة عابرة. إنهم لا يبيعون "الوطنية" بمعناها الأيديولوجي المتضخم، بل يبيعون الأمل البسيط المتمثل في قطع قماش تضمن لهم شراء رغيف خبز، أو دواء لطفل أنهكه المرض.

في مدينة تعز، التي تقبض على جمر الحصار ووجع الانهيار الاقتصادي، تبدو المفارقة أكثر قسوة ووجعاً. فالشعارات التي تملأ الشوارع بالهتافات والخطابات الحماسية، هي ذاتها التي تقيم أود هذا العجوز وأمثاله.



إسقاط الرمز على الواقع


هنا، يتقاطع الرمز التاريخي مع أبسط متطلبات البقاء؛ فالأحمر الذي يروي حكايات التضحيات، والأبيض الناصع كأحلام البسطاء، والأسود الذي يختزن عتمة ليل المدينة الطويل، تتحول جميعها إلى مؤشرات اقتصادية يومية تحدد ما إذا كانت تلك الأسرة ستتناول عشاءها أم ستنام على وقع الخيبة والاحتياج.


تفاصيل المشهد


والمفجع حقاً أن الرياح التي تعبث بتلك الأعلام المعلقة على الأرصفة، هي ذاتها الرياح العاتية التي تعصف بالبلاد منذ عقد ونيف.

كل هبة نسيم تحمل معها رعب الفقد؛ فقدان السلعة الوحيدة، وضياع رأس المال الضئيل، وانهيار آخر قلاع الأمان المادي الهش. إنها صورة مصغرة لليمن بأكمله: وطن معلق على حبل مهترئ بين شجرتين، تهزه عواصف الصراع، ويحرس بقاءه بسطاء لا يطلبون من هذا التاريخ سوى الكرامة ولقمة عيش لا تذل نفوسهم.



سؤال أخير


في النهاية، حين يرفع أحدهم علماً وسط الخراب، فإنه لا يحتفل فحسب، بل يصرخ في وجه الموت والنسيان: "نحن هنا، وما زلنا نستحق أن نعيش".

غير أن السؤال الذي يظل معلقاً فوق أرصفة تعز، ويأبى أن يرتخي مع خيوط الأعلام البالية:

إلى متى يظل الوطن، بكل رموزه وقداسته، مجرد طوق نجاة مؤقت لغارقين لا تجد أيديهم ما تتمسك به سوى خيط رفيع وقطعة قماش ملونة؟