في الوقت الذي تُصنع فيه الانتصارات على شاشات الهواتف، هناك رجال في جبهات الصبيحة يخوضون المعركة على الأرض.
هناك فرقٌ هائل بين من يكتب عن الحرب، ومن يقف في وجهها؛ بين من يرفع الشعارات، ومن يتحمل تبعاتها.
ولهذا نقولها بوضوح: كفى بيعًا للوهم… فالميدان لا يجامل أحدًا، والواقع لا يمكن تغطيته بالمنشورات.
في جبهات الصبيحة، حيث الأغبرة والمحاولة والمنصورة وكهبوب، يقف رجال يعرفون جيدًا معنى أن تكون في الخطوط الأمامية، بعيدًا عن ضجيج المنصات، وعن البيانات التي تُكتب من خلف المكاتب.
هناك، لا تُقاس البطولة بعدد المنشورات، ولا بعدد المتابعين، ولا بحجم الشعارات التي تُرفع في وسائل التواصل الاجتماعي.
هناك يُقاس كل شيء بالموقف.
رجالٌ تركوا أهلهم ومنازلهم وذهبوا إلى مواقع المواجهة، بينما بقي آخرون يتابعون المشهد من بعيد، ثم يظهرون عند الحديث عن الانتصارات وكأنهم كانوا جزءًا من كل معركة.
وهنا تكمن المشكلة.
ليس المطلوب أن ينشر الإعلام تفاصيل عسكرية حساسة، وليس المطلوب أن تُكشف تحركات المقاتلين أو مواقعهم، لكن المطلوب ببساطة هو الصدق.
لا تقولوا للناس إن كل شيء على ما يرام إذا كان الواقع يقول غير ذلك.
ولا تصنعوا انتصارات وهمية بينما الجبهات بحاجة إلى الدعم والاهتمام.
ولا تجعلوا المقاتل آخر من يُسأل عنه، ثم نطلب منه أن يكون أول من يتقدم عندما تشتد المعركة.
إن أبناء الصبيحة الذين يقفون في مواقعهم لا يطلبون المستحيل.
هم يريدون أن يشعروا بأن هناك قيادة تتابعهم، وإسنادًا يساندهم، وإعلامًا يحترم تضحياتهم، ومجتمعًا لا يتركهم وحدهم في أصعب اللحظات.
فالجبهة التي لا تجد الاهتمام في وقت الشدة، لا يمكن تعويضها بالتصفيق بعد انتهاء المعركة.
والصبيحة اليوم لا تحتاج إلى من يزايد عليها في الوطنية، ولا إلى من يمنحها صكوك البطولة.
الصبيحة تعرف رجالها.
وتعرف من وقف عندما كانت الظروف صعبة، ومن حضر عندما احتاجت الجبهة إلى الرجال، ومن اكتفى بالكلام.
ولهذا فإن الرسالة الأهم اليوم ليست رسالة غضب، بل رسالة مسؤولية:
قولوا الحقيقة للناس.
ادعموا المقاتلين.
اهتموا بالجبهات.
وتوقفوا عن بيع الوهم.
فالانتصار الحقيقي لا يُبنى بالدعاية، وإنما بالثبات والتنظيم والدعم والمسؤولية.
أما أبناء الصبيحة، فقد أثبتوا مرارًا أن صعوبة الطريق لا تعني التراجع، وأن الظروف القاسية لا تلغي واجب الدفاع عن الأرض.
لكن البطولة وحدها لا تكفي.
الجندي يحتاج إلى قيادة، والجبهة تحتاج إلى إسناد، والمقاتل يحتاج إلى أن يعرف أن هناك من يقف خلفه.
ومن هنا، فإن كل من يملك صوتًا إعلاميًا أو مسؤولية قيادية أو قدرة على الدعم، عليه أن يدرك أن المرحلة ليست مرحلة مزايدات.
إنها مرحلة صدق ومسؤولية وموقف.
فلا تجعلوا الميدان يدفع ثمن الأخطاء الإعلامية، ولا تجعلوا المقاتلين يدفعون ثمن الحسابات السياسية، ولا تحولوا تضحيات الرجال إلى مادة للاستهلاك في مواقع التواصل.
هناك في جبهات الصبيحة رجال لا يبحثون عن الشهرة… بل يبحثون عن أن يصل صوتهم.
ومن أراد أن يعرف أين تُختبر المواقف فعلًا، فليترك ضجيج المنصات قليلًا، وينظر إلى الميدان.
هناك…
حيث يصمت الكلام، ويتكلم الموقف.