ليس في تعزية أي أب فقد نجله ما يستحق اللوم، فالموت مصاب موجع، والوقوف إلى جانب أهل الفقيد واجب إنساني نبيل؛ لكن الخبر الذي يتحدث عن حضور قيادات حكومية وعسكرية وأمنية، وأعضاء في مجلسي النواب والشورى، ووكلاء للمحافظة، وقيادات السلطة المحلية، ومشايخ ومقادمة وشخصيات اجتماعية وسياسية وأكاديمية لتعزية وكيل محافظة حضرموت في وفاة نجله، يفتح في المقابل بابا لسؤال أكثر إيلاما، أين كل هؤلاء حين تفقد أسر الشهداء أبناءها؟
المشهد في الخبر يكشف حجم الحضور الرسمي والاجتماعي في مواساة أسرة مسؤول، وهو أمر محمود من حيث المبدأ، لكن المقارنة تصبح موجعة حين نتذكر شبابا من أبناء حضرموت سقطوا في جبهات القتال دفاعا عن أمن الوطن، وتركوا خلفهم أمهات ثكالى وآباء مكلومين وأسراً تواجه ألم الفقد وحدها، دون أن تحظى في بعض الحالات بزيارة مسؤول أو وفد رسمي أو مراسم تشييع عسكرية تليق بمن قدموا أرواحهم.
المشكلة إذاً ليست في أن المسؤولين عزوا زميلهم، وإنما في أن تتحول مواساة المسؤول إلى مشهد حاشد، بينما يصبح استشهاد ابن المواطن مناسبة تمر بصمت؛ فالمساواة الحقيقية لا تعني أن يمنع المسؤول من واجب العزاء، بل أن يمتد هذا الاهتمام نفسه إلى كل أسرة فقدت ابنا في سبيل الوطن، مهما كان اسم الأسرة أو موقعها الاجتماعي.
والشهيد تحديدا يستحق اهتماما مضاعفا، لأنه لم يرحل في حادث عابر، بل دفع حياته ثمنا لأمن الناس واستقرارهم؛ ومن الوفاء له أن تستقبل الدولة خبر استشهاده بما يليق بتضحيته، وأن يحضر ممثلوها جنازته، وأن تتابع أسرته، وأن تعرف ما تحتاجه بعد أن فقدت من كان سندا لها.
ولهذا، فإن المطلوب من السلطات العسكرية والمدنية في حضرموت ليس بيانات جديدة، وإنما خطوات عملية منها إنشاء سجل رسمي لأسر الشهداء، وتحديد جهة تتولى متابعتهم، وتنظيم زيارات دورية لهم، وضمان تشييع عسكري يليق بكل شهيد دون تمييز، وتوفير الرعاية الصحية والتعليمية والاجتماعية لأسرهم، واعتماد تكريم سنوي يخلد أسماء من ضحوا بأرواحهم دفاعا عن المحافظة والوطن.
إن من حق المسؤول أن يجد من يقف إلى جانبه في مصابه، ومن حق المواطن أيضا، بل من حق أسرة الشهيد بصورة أكبر، أن تجد الدولة إلى جانبها عندما تفقد ابنها؛ فالوطن الذي يحشد قياداته وشخصياته لمواساة أسرة مسؤول، يجب أن يكون قادرا على حشد مؤسساته لرعاية أسر من فقدوا أبناءهم وهم يدافعون عنه.
يا شهداء حضرموت، لم تكن لكم مواكب المناصب، ولا مجالس عامرة بالمعزين، لكن لكم ما هو أبقى، شرف التضحية من أجل الوطن؛ الرحمة لأرواحكم، والصبر لأهلكم، والوفاء لتضحياتكم؛ وإنصافكم لا يكون بالكلمات وحدها، بل بأن يشعر كل بيت فقد شهيدا أن الوطن لم ينس ابنه، وأن من قدم روحه لأجل أمنه سيظل حاضرا في ذاكرته ورعايته وتكريمه