عند قراءة تاريخ النخب الحاكمة في اليمن ، بواقعية وحيادية نجد إن كل صورة تذكارية تضم سياسيين تقاسموا السلطة في اليمن سواء في شماله منذ ثورة 26 سبتمبر 1962م أو في جنوبه منذ الاستقلال الضائع في 30 نوفمبر 1967م ، فكل صورة ليست مجرد توثيق لحدث عابر ، بل هي وثيقة إدانة تاريخية تحشد في طياتها ذكريات مثقلة بالمرارة والخيبات ، إنه تاريخ لا يشرف صانعيه في معظم محطاته ، إذ يمثل سجلاً قاتماً من التبعية للخارج ، وممارسة الظلم والاستبداد الممنهج ضد المواطن ، وتدمير مقدرات الوطن ، والتفريط بالسيادة الوطنية والقرار الوطني المستقل والثروة الوطنية ، إلا من رحم ربي من رجال صدقوا ما عاهدوا الله والوطن عليه فكان مصيرهم الإقصاء أو الاغتيال .
فالنخبة السياسية كانت في حينها مجرد اذواة في صراع اجنذات القطبين العالمي الغرب ( الرأسمالية ) والشرق ( الاشتراكية ) قبل عام 1990م باستلاب القرار وتزييف الهوية قبل اعادة تحقيق الوحدة ، وعاش اليمن مشطراً ممزقاً بين إرادات دولية صاغت توجهات النخب الحاكمة في صنعاء وعدن وفقاً لأجندات الحرب الباردة ، مما جعل السيادة الوطنية مجرد شعار للاستهلاك المحلي:ـ
1. الشطر الشمالي (الجمهورية العربية اليمنية) :-
انخرطت النخب الحاكمة في فلك ما كان يُعرف بدول المعسكر الرأسمالي والقوى الرجعية في المنطقة ، وتحول القرار السياسي في صنعاء إلى رهينة للمساعدات الخارجية والوصاية الإقليمية ، فالنتيجة تعطلت عجلة التنمية الحقيقية ، وجرى رهن القرار الأمني والعسكري للخارج ، واستُبدلت مؤسسات الدولة بسلطات موازية (قبيلة وعسكرية مرتهنة) ، فغابت العدالة وساد الاستبداد المغلف بـالديمقراطية الشكلية .
2. الشطر الجنوبي (جمهورية اليمن الديمقراطيةالشعبية) :ـ
ارتمت النخب الحاكمة في أحضان دول المعسكر الاشتراكي والقوى التقدمية بقيادة الاتحاد السوفيتي ، جرى استيراد نظريات أيديولوجية غريبة عن بنية المجتمع وثقافته ، والنتيجة تحولت عدن إلى ساحة للتجارب العقائدية والصراعات الدامية بين أجنحة الحزب الحاكم (كما حدث في يناير 1986م). وصودرت الحريات الشخصية والسياسية تحت لافتة صوت الحزب فوق صوت الجميع .
الحقيقة المجردة تكشف أن النظامين كلاهما كانا يدوران في فلك التبعية للخارج ، فلا هما أرسيا دعائم دولة مؤسسات حقيقية ، ولا حققا عدالة اجتماعية أو سيادة وطنية ، ولا حافظا على القرار المستقل والثروات السيادية ، ولا قدّما مواطنة عادلة تُطبّق فيها سيادة القانون التي تضمن للمواطن العيش حياة بحرية وكرامة .
لقد كان كل ما يطفو على أرض الواقع مجرد شعارات رنانة ، وتطبيل ، ونفاق ، وممارسات انتهازية تخدم المصالح الضيقة للقوى الكبرى على حساب دماء وقوت اليمني البسيط .
وبوحدة 1990م كان هروب إلى الأمام واندماج الأدوات الفاشلة فالتقيا هذان النظامان المأزومان ــ الشمالي المثقل بملفات الاغتيالات والفساد ، والجنوبي المنهك اقتصادياً وسياسياً بعد أحداث 1986 وانهيار حليفه السوفيتي ــ ليعلنا اندماجاً فورياً بُني على أسس هشّة وتقاسم للمصالح والمناصب ، مستترين تحت مظلة هدف سامٍ وهو وحدة اليمن أرضاً وإنسانا ، ولأن البدايات كانت قائمة على الزيف ، وعدم إشراك الشعب ، وغياب النوايا الصادقة لبناء دولة النظام والقانون ، فقد نقلت أدوات الفساد والتبعية والفشل في كلا النظامين جيناتها الإقصائية معها إلى ما سمي "دولة الوحدة". بدلاً من أن تكون الوحدة رافعة للمستقبل، تحولت في واقع الأمر إلى "وحدة لأدوات الفساد والفشل"، وتوجت بـحرب صيف 1994م: التي قضت على الشراكة السياسية وحولتها إلى معادلة "غالب ومغلوب" .
فكان تحالف الفساد والقبلية والمناطقية والعسكرية الذي استباح مقدرات الجنوب والشمال معاً وتحولت الثروات النفطية والغازية والسمكية إلى إقطاعيات خاصة لرموز النظام مع استمرار الارتهان للخارج ، وظل القرار اليمني يباع ويشترى في عواصم الإقليم والدول الكبرى مقابل بقاء النخبة في كراسي الحكم . اليوم اليمن في مهب الريح ونتيجة لتراكم هذه السياسات الكارثية على مدى عقود ، تضاعفت مأساة اليمن وشعبه بشكل غير مسبوق في التاريخ المعاصر . فإن الحرب الراهنة وتشظي البلاد ليسا إلا نتاجاً طبيعياً لغياب "الدولة الوطنية الحقيقية" طوال العقود الماضية ، اليوم أصبح القرار الوطني المستقل ، والسيادة ، والثروات الوطنية في مهب الريح بالكامل ، وتقاسمت قوى إقليمية ودولية جديدة النفوذ على الجغرافيا اليمنية وموانئها وجزرها وثرواتها عبر وكلاء محليين يكررون نفس خطيئة التبعية والارتهان التي مارسها سلفهم. ليعيش الشعب اليمني المطحون أزمة إنسانية واقتصادية وسيكولوجية هي الأشد والأعظم مأساوية في تاريخه المعاصر، يدفع ثمنها الأبرياء من جوعهم ، وأمنهم ، ومستقبل أجيالهم .
للخروج باليمن إلى بر الأمان لن يكون الا بتوحد الشرفاء الأحرار في مواجهة التحديات والعراقيل للقضاء على الفساد والفاسدين والعملاء واقتلاعهم ومحاسبتهم ومعاقبتهم تحت مظلة تطبيق عدالة النظام والقانون واستعادة ما سلبوه ونهبوه من المال العام .
عبدالكريم الدالي