كتبت قبل سنوات أن الصراع الدولي على باب المندب لم يكن حدثًا عابرًا، فهذا المضيق الصغير في مساحته والهائل في قيمته، بدا لي مرشحًا لأن يتحول إلى نقطة التقاء بين تنافس القوى الكبرى وصراعات الفاعلين المحليين، وكان السؤال الذي شغلني آنذاك بسيطًا في صياغته ثقيلًا في دلالته:
هل تستطيع الأطراف اليمنية والإقليمية إدارة هذه الجغرافيا الحساسة بأقل قدر من الصدام؟
أم أن باب المندب سيتحول إلى إحدى ساحات الحروب بالوكالة؟
وفي سبتمبر 2026م ومع المعارك الدائرة في الساحل الغربي لم يعد هذا السؤال بعيدًا عن الواقع.
فالمواجهات تتسع على الساحل الغربي لليمن في لحظة إقليمية بالغة التعقيد: حيث يتعرض مضيق هرمز لضغوط متزايدة في حين لم تستعد الملاحة في البحر الأحمر استقرارها بعد، ومنذ يوليو المنصرم أعلن الحوثيون حصارًا بحريًا يستهدف الملاحة السعودية، في وقت تحولت فيه المناطق المحيطة بباب المندب إلى جزء مباشر من جبهة القتال البرية.
وفي 9 سبتمبر بالتحديد سجلت بيانات Kpler مرور ست سفن سلع فقط عبر هرمز، مقابل متوسط عشرة أيام بلغ 12 سفينة بينما مرت 25 سفينة عبر باب المندب مقابل متوسط بلغ 27.
هذه ليست مجرد أرقام لحركة السفن بل مؤشرات إلى أن المنطقة بدأت تواجه أزمة تتجاوز حدود ممر واحد.
لذلك فإن ما يحدث على الساحل الغربي اليمني لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره جولة إضافية من حرب محلية طال أمدها، فثمة احتمال يستحق النظر بجدية:
أن تكون المعارك الحالية جزءًا من محاولة إعادة تشكيل موازين السيطرة والنفوذ حول واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.
من أزمة مضيق إلى «أزمة الممرات»
في أبريل الماضي كتبت أيضاً أن الضغوط على هرمز تعيد إبراز القيمة الاستراتيجية لبحر العرب وللساحل اليمني في معادلات أمن الطاقة الخليجي والدولي ، وكان التقدير صحيحًا في اتجاهه العام، لكنه لم يتوقع أن تتقاطع الضغوط على هرمز وباب المندب بهذه السرعة.
فإذا أصبح المرور عبر هرمز معرضًا للتعطيل وامتلك في الوقت نفسه فاعل مسلح على الضفة اليمنية قدرة مستدامة على التأثير في باب المندب، فنحن أمام ما يمكن وصفه بـ«أزمة ممرات»:
حيث تنشىء بيئة تصبح فيها أكثر من بوابة رئيسية للطاقة والتجارة عرضة للضغط في الوقت نفسه.
فالساحل الغربي ليس مجرد مساحة برية متنازع عليها، وباب المندب ليس مجرد ممر يقع على هامش حرب داخلية، إنه البوابة الجنوبية للبحر الأحمر ومنه تتصل التجارة بين المحيط الهندي وقناة السويس والبحر المتوسط ، ولهذا فإن السؤال الاستراتيجي ليس فقط:
من يسيطر على الأرض؟
بل من يمتلك القدرة على التأثير في تكلفة استخدام هذا الممر واستقراره؟
"جغرافيا الفيتو"
في الحروب المرتبطة بالممرات البحرية لا تبدأ السيطرة دائمًا من الماء ، فمن يسيطر على المرتفعات المؤثرة ومسارات الوصول ومناطق الانتشار القريبة من الساحل، ثم يضيف إلى ذلك صواريخ ومسيّرات وقدرات استطلاع، قد يحصل على شيء يتجاوز مساحة الأرض نفسها.
ويمكن تسمية ذلك بـ«جغرافيا الفيتو»: وهي قدرة تسمح لطرف ما برفع كلفة المرور أو تهديده من دون أن يمتلك السيادة القانونية على المضيق أو يسيطر عليه بحريًا سيطرة كاملة.
التقارير الميدانية تشير إلى أن القتال تركز في غرب تعز وجنوب الحديدة والمناطق القريبة من باب المندب، فيما تحاول القوات الحكومية "الشرعية" المسنودة بقوات العمالقة الجنوبية وقوات طارق صالح منع تقدم الحوثيين واستعادة مواقع استراتيجية في ظل تحركات وتعزيزات باتجاه محاور الساحل.
وبذلك قد تكون القيمة الحقيقية لبعض المواقع التي يُقاتل عليها اليوم كامنة في القدرة التي تمنحها غدًا لا في مساحتها.
هل يعاد تشكيل الخريطة؟
لا توجد في المعلومات المتاحة علنًا، أدلة كافية تسمح بالجزم بأن هناك «صفقة دولية» تمنح الحوثيين الساحل الغربي أو باب المندب، وأي طرح يقدم هذا الاحتمال كحقيقة ثابتة يتجاوز ما تسمح به الأدلة الحالية، بل إن بعض الوقائع تسير في الاتجاه المعاكس:
فالقوات الحكومية تنفذ هجمات مضادة والسعودية تواصل دعمها وترد عسكريًا على الهجمات الحوثية.
ومع ذلك فإن غياب الدليل على وجود صفقة لا يلغي احتمالًا مختلفًا: أن تكون الأطراف المتحاربة تحاول تحسين مواقعها وتوسيع نطاق سيطرتها في مرحلة قد تصبح فيها الجغرافيا العسكرية الحالية عنصرًا حاسمًا في تحديد موازين القوة السياسية والعسكرية مستقبلًا.
فالحروب الطويلة لا تبقى خرائطها ثابتة وكل تغير في خطوط السيطرة خصوصًا عندما يحدث قرب ممر استراتيجي كباب المندب يمكن أن يتحول إلى ورقة قوة تتجاوز حدود الميدان نفسه.
لذلك أميل شخصيًا إلى التحفظ على تفسير «التسليم المتعمد للساحل» بصيغته المباشرة ، التفسير الأقرب في تقديري هو أننا أمام سباق على الأرض والمواقع الاستراتيجية التي يمكن أن تعيد تشكيل ميزان القوة حول باب المندب "وهذا فارق جوهري" .
من تهديد الملاحة إلى ورقة سياسية
في أمن الممرات الدولية هناك مفارقة قاسية : كلما ازدادت قدرة فاعل مسلح على تعطيل ممر بحري ازدادت حاجة القوى المعنية إلى ردعه ، لكن إذا تحولت هذه القدرة إلى واقع مستدام يصعب إزالته عسكريًا فإنها قد تتحول أيضًا إلى ورقة سياسية يحاول صاحبها استخدامها لفرض نفسه في أي ترتيبات أمنية مستقبلية.
ليس لأن المجتمع الدولي سيمنح الحوثيين صفة «حماة البحر الأحمر» فلا توجد معطيات تبرر ذلك، لكن من الممكن أن يسعوا إلى تحويل قدرتهم على تعطيل الملاحة إلى رأسمال سياسي وهنا يتغير السؤال من «كيف نمنع التهديد؟» إلى سؤال أصعب: كيف يُبنى أمن مستدام للممر في بيئة يوجد فيها طرف يمتلك القدرة على تعطيله؟ وسيكون المجتمع الدولي امام خيارات صعبة .
السعودية وشبكة التوازن الإقليمية
السياسة السعودية اليوم لا تبدو امتدادًا بسيطًا لسياسة 2015م فالمملكة لا تظهر رغبة في حرب مفتوحة طويلة داخل اليمن، لكنها لا تستطيع القبول بتحول التهديد الحوثي إلى واقع دائم على حدودها أو تهديد مستمر لمنشآتها ومصالحها ومسارات صادراتها خصوصآ بعد الهجمات الأخيرة فقد ردت الرياض عسكريًا فيما حافظ وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان على خطاب يجمع بين حق الدفاع عن النفس واستمرار دعم الحلول الدبلوماسية.
وفي 8 سبتمبر لفت لقاؤه بنظيره الروسي في موسكو الانتباه، إذ تناولت المحادثات اليمن وخفض التصعيد وأمن الملاحة في هرمز وباب المندب ضمن سياق إقليمي واحد ، وهذا بحد ذاته لا يثبت تفاهمًا سريًا لكنه يعكس أن أمن اليمن والخليج والبحر الأحمر بات أكثر ترابطًا من السابق.
وفي الوقت نفسه فهناك تطور متسارع في التنسيق بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد ، حيث تشير المعطيات إلى أن " أي دور باكستاني سيظل مرتبطًا بالدفاع عن الأراضي السعودية،يجب أن لا يكون بتدخل بري داخل اليمن" .
أين المصلحة اليمنية؟
هذا هو الجزء الذي يقلقني أكثر من غيره ، فليس مستغربًا أن تكون للقوى الكبرى والإقليمية مصالح في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم ، لكن المشكلة تبدأ حين يدخل كل طرف إلى هذه الجغرافيا وهو يعرف جيدًا ما يريد منها بينما لا يزال اليمن نفسه يفتقر إلى رؤية وطنية مكتملة تحدد كيف يريد أن يحول موقعه إلى قيمة إستراتيجية للدولة لا إلى مجرد مساحة يستخدمها الآخرين " لصراعاتهم ".
فباب المندب ليس ورقة عسكرية فقط بل هو أصل سيادي واقتصادي واستراتيجي يرتبط بالموانئ والطاقة والتجارة وأمن السواحل والخدمات اللوجستية والمجتمعات الساحلية ، وحين تُختزل قيمته في قدرة طرف على إغلاقه وقدرة آخر على فتحه، يكون اليمن قد فقد جزءًا من قيمة جغرافيته حتى لو بقيت الحدود كما هي على الخريطة.
ويجب أن ينشغل اليمنيين في كيف يتم تحويل موقع بلادنا البحري من ساحة تتنافس عليها القوى الأخرى إلى أصل من أصول 'السيادة الوطنية".
ما قبل توقف المدافع
قد تستمر الحرب وقد تنجح القوات الحكومية في تغيير اتجاهها وقد يتوقف تقدم الحوثيين وقد تتغير موازين القوى مرة أخرى ، فكل هذه الاحتمالات مفتوحة ولا أزعم أنني أملك جوابًا حاسمًا على أي منها ، لكنني أعود إلى السؤال الذي طرحته قبل سنوات بصورة مختلفة قليلًا:
فقد كنت أعتقد أن الصراع على باب المندب سيقود أساسًا إلى مواجهة بالوكالة ، وهذا التقدير كان صحيحًا جزئيًا لكنه لم يلتقط الصورة الكاملة " أن المضيق لا يتحول فقط إلى ساحة تنافس بل إلى أداة لإعادة ترتيب مواقع الأطراف وموازين قوتها" .
و الخطر ليس أن تتخذ القوى الكبرى قراراتها وفق مصالحها؛ فهذا متوقع ، ولكن الخطر الحقيقي أن تتبلور ترتيبات أمن البحر الأحمر بينما لا يزال اليمن يناقش من يملك الأرض في الوقت الذي يكون فيه الآخرون قد انتقلوا إلى تحديد وظيفة تلك الأرض في النظام الإقليمي المقبل.