تفصلنا أربعة أيام عن الذكرى الرابعة والستين لثورة 26 سبتمبر، ومع اقترابها لا نستطيع أن نتعامل معها كذكرى عابرة أو مناسبة نكرر فيها الكلام نفسه كل عام. لم نعش نحن وكثير من أبناء هذا الجيل الثورة نفسها، لكننا نعيش نتائجها، ونعيش أيضًا السنوات التي بدأ فيها كل شيء يتراجع أمامنا بصورة لم نكن نتوقعها. ولهذا، كلما سقطت مدينة وتوسعت رقعة الكهنوت، نتساءل: كيف وصلنا إلى هذه اللحظة؟ وكيف تحولت الجمهورية التي كانت بالنسبة لنا حقيقة مستقرة إلى قضية ندافع عنها من جديد؟
في 2014، لم يكن سقوط صنعاء بالنسبة لنا سقوط مدينة فقط. كان شيئًا أكبر من ذلك بكثير. شعرنا وقتها أن الدولة نفسها تتهاوى، وأن الخريطة التي اعتدنا أن نراها أمامنا بدأت تضيق بسرعة. وكان السؤال الذي تردد في أذهاننا: إذا سقطت صنعاء، فمن أين يمكن أن تبدأ العودة؟
جاء الجواب من عدن والضالع في 2015. كانت المقاومة صلبة ومؤمنة بالدفاع عن الأرض، وكان الثمن كبيرًا، لكن موجة التمدد توقفت هناك. ومع تحرير عدن، بدأت بقية المناطق الجنوبية تستعيد نفسها تباعًا. بالنسبة لنا، لم تكن تلك مجرد معارك ناجحة؛ كانت أول إشارة إلى أن ما حدث في صنعاء ليس نهاية الحكاية، وأن طريق استعادة صنعاء ما زال ممكنًا.
بعدها دخل المشهد مرحلة مختلفة. من 2015 إلى 2017 بقيت صنعاء بعيدة، وتداخلت الحسابات السياسية والعسكرية، وتوقفت أشياء كثيرة عند حدود معينة. ثم جاء الساحل الغربي في 2017 ليعيد شيئًا من الحركة إلى المشهد.
مع استعادة المخا والوازعية والتقدم باتجاه حيس ومناطق الحديدة، عاد إلينا الشعور بأن هناك فرصة جديدة. وكان الوصول إلى كيلو 16 بالنسبة لنا أكثر من رقم على الخريطة؛ رأينا فيه احتمالًا لفتح جبهة يمكن أن تقود، مع الوقت، إلى استعادة العاصمة صنعاء. وكنا نعول أيضًا على القيادات الموجودة هناك في حماية ما تحقق وتحويله إلى مشروع مستمر.
لكن التراجع جاء لاحقًا. خسرنا مناطق كنا قد استعدناها، بينها ثلاث مديريات في الحديدة، ثم المخا والوازعية وحيس وباب المندب. ولم تكن الخسارة بالنسبة لنا مجرد تغيير في خطوط التماس أو فقدان مواقع عسكرية؛ فقد كانت كل منطقة نخسرها تأخذ معها شيئًا من الأمل الذي تراكم منذ 2015.
ومع كل تراجع عسكري، كانت الخيبة تكبر. كنا نرى الطريق يتقدم في اتجاه صنعاء، ثم بدأ ذلك الاتجاه ينقلب تدريجيًا، وأصبح ما استعدناه خلال سنوات يتراجع أمام أعيننا في فترة أقصر مما توقعنا. ولهذا لم تكن الخيبة ناتجة عن خسارة الأرض وحدها، بل عن شعور أعمق بأن فرصة كنا نعتقد أنها تقترب بدأت تبتعد من جديد.
وبعد سقوط تلك المناطق، وجدنا أنفسنا أمام واقع أكثر قسوة: لم نعد نخسر مواقع فقط، بل نخسر الثقة بإمكانية استمرار التقدم. وكلما ضاقت الخريطة على الأرض، ضاق معها الأمل في استعادة صنعاء، حتى أصبح السؤال أكبر من الجبهة نفسها: ماذا بقي من فكرة الجمهورية على الأرض؟
بالنسبة لنا، الجمهورية تعني أن اليمن ليس ملكًا لجماعة أو سلالة أو طائفة، وأن المواطن يجب أن يكون متساويًا في حقه ودولته. والخطر اليوم ليس مجرد عودة الإمامة كسلطة سياسية، بل مشروع سلالي طائفي يمنح نفسه حق الحكم ويميز بين اليمنيين على أساس الانتماء.
ولهذا لا نريد أن تكون 26 سبتمبر مناسبة للبكاء على ما فقدناه فقط. نريدها أن تكون لحظة مراجعة صادقة: ماذا حدث للجمهورية التي خرج اليمنيون من أجلها؟ وكيف وصلنا من لحظة كان فيها حلم الدولة يتوسع إلى لحظة أصبحت فيها الدولة نفسها بحاجة إلى من يدافع عنها؟
ربما خسرنا كثيرًا، وربما اقتربنا في بعض اللحظات من نقطة الصفر، لكن ذلك لا يعني أن كل شيء انتهى. فما زال بإمكاننا أن نكتب نهاية مختلفة لهذه السنوات، إذا تجاوزنا خلافاتنا، ووحّدنا صفوفنا، وتذكرنا أن ما يجمعنا في معركة استعادة الدولة أكبر من كل ما يفرقنا.
فـ26 سبتمبر بالنسبة لنا ليست مجرد ذكرى ثورة أسقطت الإمامة قبل أربعة وستين عامًا. هي تذكير بأننا قادرون على كسر سلطة الاستبداد، وأن الدولة التي تقوم على المواطنة والعدالة لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد ذكرى.
قد تضيق الخريطة، وقد نتراجع في الميدان، لكن فكرة الدولة لا ينبغي أن تضيق داخلنا.
فما دمنا نؤمن بأن اليمن وطن لكل أبنائه، وأن الحكم حق للمواطن لا امتيازًا لسلالة أو جماعة، فإن 26 سبتمبر لم تنتهِ بعد