آخر تحديث :الخميس-15 أكتوبر 2026-02:32ص

لا تسقطوا اليمن بخلافاتكم.. المعركة عقيدة وهوية

السبت - 12 سبتمبر 2026 - الساعة 08:04 ص
جمال صالح لهطل


هناك لحظات في تاريخ الشعوب لا تحتمل الحسابات الصغيرة، ولا تسمح بتقديم المصالح الشخصية والحزبية على مصلحة الوطن. وما نعيشه اليوم في اليمن واحد من تلك المنعطفات.

المعركة ليست معركة أشخاص، ولا معركة أحزاب، ولا صراعًا على النفوذ... إنها معركة دين وعقيدة وهوية ووطن.

ومن يظن أن بإمكانه الوقوف على الحياد، أو أن يقول: "هذه الحرب لا تعنينا"، فعليه أن يدرك أن نتائجها ستصل إلى الجميع، وأن سقوط الدولة لا يستثني أحدًا.

لقد دفعنا ثمن الانقسام من قبل. شهدنا انتكاسة عدن عام 2015، وشهدنا سقوط العند، وقبل ذلك سقطت صنعاء عام 2014. واليوم يجب ألا نسمح بأن تتكرر المأساة بأسماء جديدة وأدوات جديدة.

المخا.. أسئلة لا يجوز دفنها

ما حدث في المخا لا ينبغي أن يمر كحادثة عابرة.

هناك حديث عن قيادات ومجموعات كانت على تواصل مع صنعاء، وعن تنسيق سبق الأحداث، وعن تسليم مخازن وعتاد عسكري قيل إنه كان يمكن أن يسهم في معركة تحرير اليمن.

وهنا لسنا بصدد إصدار أحكام على أحد، لكننا أمام أسئلة خطيرة:

من نسّق؟ من اتصل؟ من أصدر الأوامر؟ وهل كانت القيادة على علم؟ وهل كان هناك توجيه من أي طرف خارجي؟

هذه الأسئلة ليست للتشهير، وإنما للتحقيق. وإذا كانت هناك لجنة شكلت للنظر في الأمر، فعليها أن تكشف الحقيقة كاملة للشعب، وأن تحدد المسؤولية بوضوح.

فالشعب اليمني لم يعد يحتمل أن يدفع ثمن الأخطاء ثم يُطلب منه الصمت.

لا تجعلوا الحوثي ينتصر من خلافاتكم

الحوثي لا يحتاج إلى هزيمة خصومه عسكريًا إذا استطاع أن يجعلهم يهزمون أنفسهم.

كل خلاف بين القوى المنضوية تحت قيادة الشرعية هو مكسب له، وكل صراع جانبي هو فرصة جديدة، وكل حساب ضيق هو ثغرة في جدار المواجهة.

ولهذا نقولها بصراحة:

ارصوا الصفوف قبل أن يفرض العدو عليكم صفوفه.

لا تجعلوا ما حدث في صنعاء يتكرر في المخا، ولا تجعلوا أخطاء الماضي مقدمة لأخطاء جديدة.

لا تراهنوا على المجتمع الدولي

من الخطأ أن نترك مستقبل اليمن رهينًا للمواقف الدولية.

المجتمع الدولي لا يتحرك دائمًا وفق ما نريده نحن، بل وفق مصالحه وحساباته. وقد يأتي يوم تتغير فيه الأولويات، فيصبح الحوثي بالنسبة لبعض الأطراف الدولية مجرد أمر واقع أو طرفًا يمكن التعامل معه لضمان أمن الملاحة والممرات الدولية.

حينها، من سيحمي اليمن؟

اليمنيون أولًا، ثم موقف عربي صادق وواضح.

ومن هنا تأتي أهمية الدور المصري؛ فمصر ليست دولة هامشية في المعادلة العربية، وأمن البحر الأحمر واليمن جزء من الأمن القومي العربي. المطلوب موقف عربي أصيل وحاسم، لا موقفًا رماديًا في لحظة مصيرية.

الجنوب.. لا نريد معركة داخل المعركة

أما في الجنوب، فالمرحلة لا تحتمل مزيدًا من التشظي.

نريد الوقوف خلف القيادة والقوات التي تواجه الخطر، وفي مقدمتها العمالقة، ودعم القيادات الفاعلة في الميدان، ومن بينها أبو زرعة المحرمي.

ولا نريد أصواتًا تستخدم اسم الجنوب لفتح معارك جديدة أو صناعة قيادات متنافسة، في الوقت الذي يحتاج فيه الجنوب إلى الأمن والاستقرار ووحدة الصف.

كما يجب أن تكون عدن خطًا أحمر أمام أي فوضى جديدة.

من يريد دخول عدن تحت ذريعة "الدفاع عنها" يجب أن يسأل نفسه: هل دخوله منسق مع الجهات المختصة؟ وهل سيحمي عدن أم يفتح بابًا لصراع جديد؟

عدن لا تحتاج إلى جيوش متعددة ولا إلى سلاح خارج إطار القرار الأمني والعسكري المنظم.

وأي تحرك غير منسق، مهما كانت شعاراته، قد يخدم من يريد شق الصف وإرباك المدينة.

النازحون ليسوا خصومًا

وفي خضم كل هذا، لا يجوز أن نفقد إنسانيتنا.

النازح الذي وصل إلى عدن هاربًا من الحرب إنسان له كرامته، ولا يجوز إهانته أو الانتقام منه بسبب موقف سياسي أو انتماء جغرافي.

نختلف في السياسة، لكننا لا نختلف على كرامة الإنسان.

عدن التي فتحت أبوابها للناس في أحلك الظروف يجب أن تبقى مدينة للأمن والأخلاق والاحتواء، لا ساحة للانتقام.

الشعب يحتاج إلى الأمل

رغم كل شيء، لا ينبغي أن نزرع اليأس في نفوس اليمنيين.

النصر ممكن، وتحرير صنعاء وكل اليمن ممكن، لكن ذلك لن يتحقق بالخلافات ولا بتعدد مراكز القرار.

يتحقق عندما تتوحد الإرادة، وتلتقي القوى حول هدف واحد، ويصبح الوطن فوق الأشخاص والمكونات والمصالح.

نطالب التحالف بحسم المعركة، ونطالب القوى الوطنية بتوحيد صفوفها، ونطالب الجميع بإغلاق أبواب الخلافات التي يستفيد منها الحوثي.

لقد حان الوقت لكي نفهم الدرس:

سقطت صنعاء عندما تفرقت الإرادات، ويمكن أن تنتصر اليمن عندما تتوحد.

فلا تسقطوا اليمن بخلافاتكم.

المعركة عقيدة وهوية ووطن... والعدو ينتظر خلافاتنا أكثر مما ينتظر ضعفنا.

فلنرص الصفوف، ولنحمِ عدن، ولنصن كرامة النازحين، ولنترك التحقيق يكشف حقيقة كل ملف، ولنضع اليمن فوق الجميع.

اليمن لا يحتاج إلى مزيد من القادة المتصارعين... بل يحتاج إلى قيادة تعرف أين هو العدو، وتعرف أن الوطن أكبر من الجميع.