سليم ثابت
لن أتوقف عند أحداث الساحل الغربي، ولن أدخل في جدلية توصيف ما جرى، وسواء ما حدث كان هزيمة أو إعادة تموضع، فهذه مسائل تحتاج إلى تحقيق عسكري وسياسي هادئ يستند إلى المعلومات والوقائع لا إلى الانفعال والتخمين.
كما أن المعركة لم تنته بعد، وما زالت مفتوحة على احتمالات وتطورات جديدة، ولذلك أعتقد أن هناك نقطة أكثر أهمية ينبغي أن ينتبه إليها مجلس القيادة الرئاسي في هذه المرحلة، وهي نقطة المقاومة الشعبية ودورها في معركة استعادة الدولة.
فاليمن اليوم أمام معركة مصيرية لا يمكن النظر إليها باعتبارها مواجهة عسكرية منفصلة عن المجتمع والدولة والمستقبل السياسي للبلاد، فالحروب التي ترتبط ببقاء الدولة وهويتها لا تحسمها الجيوش النظامية وحدها مهما بلغت قوتها، وإنما تحتاج إلى مجتمع حي يشعر أن المعركة تعنيه وأن الدفاع عن الجمهورية والدولة مسؤولية وطنية مشتركة.
ولذلك فإن المقاومة الشعبية ليست بديلا عن الجيش ولا منافسا للمؤسسة العسكرية، بل هي امتداد اجتماعي للمشروع الوطني وسند للجيش حين تكون منظمة ومؤطرة تحت مظلة الدولة والقانون.
ومن هذا المنطلق كان يفترض بمجلس القيادة الرئاسي منذ وقت مبكر أن يعيد الاعتبار لقيادات المقاومة الشعبية التي وقفت في الصفوف الأولى منذ الطلقة الأولى في مواجهة مليشيات الحوثي، وأن ينظر إلى ما قدمته تلك القيادات باعتباره رصيدا وطنيا لا حالة مؤقتة انتهى دورها بانتهاء مرحلة معينة.
فقد تمكن رجال المقاومة في ظروف بالغة الصعوبة وبإمكانات محدودة من تحرير مديريات ومناطق وفتح طرق أمام القوات النظامية واحتضان الجبهات وتعبئة المجتمع، وتحملوا أثمانا باهظة من الدماء والمال والوقت.
ولذلك فإن تهميش هذه القيادات لا يمثل مجرد إقصاء لأشخاص، بل يخلق فجوة خطيرة بين الدولة والمجتمع، ويضعف الثقة بالمؤسسات، ويبعث برسالة سلبية إلى الأجيال التي دفعت ثمن الدفاع عن الجمهورية.
والمطلوب اليوم ليس إعادة إنتاج تشكيلات مسلحة خارج مؤسسات الدولة، وإنما بناء صيغة وطنية جديدة تجعل الحاضنة الشعبية جزءا منظما من منظومة الصمود الوطني، من خلال إعادة الاعتبار للقيادات الوطنية ذات الخبرة الميدانية والاجتماعية، والاستفادة من خبراتها في التعبئة المجتمعية.
كما يتطلب ذلك تشكيل أطر مدنية في المحافظات والمديريات تعمل تحت إشراف مؤسسات الدولة لدعم الجيش في المجالات التي يحددها القانون، وتعزيز الإسناد المجتمعي والإغاثي والإعلامي، وتنظيم المبادرات الشعبية، ورعاية أسر الشهداء والجرحى والمتضررين، ورفع الروح المعنوية، وحماية التماسك الاجتماعي.
ولا بد كذلك من إشراك المرأة والشباب والوجهاء والنخب والمغتربين وكل الفئات القادرة على تقديم إسهام وطني، لأن المجتمع الذي يشعر بأنه شريك في صناعة النصر يكون أكثر قدرة على الصمود من مجتمع يشعر بأنه مجرد متلق للأحداث.
كما أن القيادة السياسية مطالبة بتوحيد القرار العسكري والأمني وإغلاق مساحات التنافس التي أضعفت المعسكر المناهض للحوثي خلال السنوات الماضية، فاللحظة الراهنة لا تحتمل المزيد من التهميش ولا تسمح بإهدار الطاقات الوطنية بسبب الحسابات الضيقة.
والمطلوب أن تتحول التضحيات السابقة إلى قوة مؤسسية متراكمة لا إلى ذاكرة منسية، وأن يتم استدعاء كل الخبرات الوطنية التي أثبتت حضورها في الميدان ووضعها ضمن مشروع الدولة لا خارجها.
فالقوة العسكرية تحتاج إلى شرعية سياسية، وتحتاج إلى حاضنة اجتماعية، وتحتاج إلى قيادة موحدة، وتحتاج إلى مجتمع يؤمن بأن النصر ليس امتيازا لفئة دون أخرى.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في هذه المرحلة هو أن يبقى الجيش في الجبهة والمجتمع خارج المعركة، أو أن تتحول المقاومة التي نشأت من رحم المجتمع إلى مجرد صفحة في التاريخ بعد أن تؤدي مهمتها.
المطلوب هو عقد شراكة وطنية جديدة بين الدولة والجيش والمجتمع، شراكة تحفظ للمؤسسة العسكرية دورها المركزي، وتستفيد في الوقت نفسه من الطاقة الهائلة التي يمتلكها المجتمع اليمني.
فاستعادة الدولة ليست عملية عسكرية فقط، وإنما عملية سياسية واجتماعية ووطنية متكاملة، وكلما اتسعت دائرة المشاركة الوطنية تحت مظلة الدولة أصبح المشروع الجمهوري أكثر قدرة على الصمود وأكثر قدرة على استعادة المبادرة.
واليمن اليوم لا يحتاج إلى إقصاء أبنائه الذين واجهوا في أصعب الظروف، وإنما يحتاج إلى جمعهم حول مشروع واحد، مشروع الدولة والجمهورية والحرية واستعادة القرار الوطني.