كتب الأستاذ حسين البهام مقالاً طالب فيه بإسناد ملف دعم الجبهات القتالية إلى الشيخ أحمد صالح العيسي، ودعا التحالف برئاسة المملكة العربية السعودية إلى أن يوكل إليه مهمة دعم المعركة واستعادة صنعاء، مستنداً إلى الدور الذي قام به العيسي في تحرير عدن والمحافظات المحررة، وما قدمه من دعم وإسناد في واحدة من أصعب مراحل المواجهة.
وفي الحقيقة، فإن طرح الأستاذ حسين البهام ليس غريباً على من يعرف مواقف الشيخ أحمد صالح العيسي، بل أعتقد أن ما طرحه يفتح باباً أوسع للحديث عن رجل أثبت في المراحل الصعبة أن مواقفه لا تُقاس بالكلام، وإنما بما قدمه عندما كانت البلاد في أمس الحاجة إلى الموقف والدعم.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل سيقبل الشيخ أحمد صالح العيسي بمثل هذه المهمة في هذا الوقت؟
أعتقد أن الشيخ سيرفض.
وسيرفض ليس خوفاً من المهمة، ولا عجزاً عن تحمل مسؤولياتها، فقد كان حاضراً عندما كانت عدن تواجه الخطر، وقدم ما يستطيع عندما كانت المواقف تُقاس بالتضحية، لا بحجم المكاسب التي يمكن أن يحصل عليها أصحابها.
لكن السؤال الأهم: هل الوقت والزمان اليوم هما فعلاً وقت وزمان الشرفاء والوطنيين؟
وهل ما زالت المواقف الوطنية والكفاءة والقدرة على تحمل المسؤولية هي المعايير التي تحكم اختيار من يتولى مثل هذه المهام؟
فالمشهد اليوم لا يخلو من رجال وطنيين وشرفاء، لكن المؤلم أن أصحاب المصالح والمستفيدين من استمرار الأوضاع القائمة بات لهم حضور وتأثير لا يمكن تجاهله، وأصبح الوطن في كثير من الأحيان يدفع ثمن صراعات المصالح وحسابات النفوذ.
ولهذا فإن الحديث عن إسناد مهمة بحجم دعم الجبهات واستعادة صنعاء إلى رجل بحجم أحمد صالح العيسي، لا ينبغي أن يكون مجرد طرح اسم أو تكليف بمهمة، بل يجب أن يرتبط أولاً بوجود إرادة حقيقية لإنهاء الانقلاب واستعادة الدولة، والاستفادة من أصحاب الكفاءة والمواقف الوطنية، بعيداً عن الحسابات الضيقة التي عطلت كثيراً من الطاقات وأبقت الأزمات مفتوحة.
وهنا تحديداً تظهر قيمة أحمد صالح العيسي.
فالعيسي لم ينتظر أن تصبح الوطنية عنواناً مربحاً حتى يتقدم، ولم يكن بحاجة إلى مهمة رسمية حتى يقدم ما يستطيع.
وعندما كانت عدن في قلب المعركة، كان موقفه حاضراً، وإمكاناته وعلاقاته مسخرة لدعم المقاتلين وإسناد صمودهم، في وقت كانت فيه الحاجة إلى الموقف أكبر من الحاجة إلى الخطابات.
وهذا هو الفارق بين رجل يدخل المشهد عندما تصبح المصلحة مضمونة، ورجل يتقدم عندما يكون الوطن بحاجة إلى موقف.
ولهذا فإن مطالبة الأستاذ حسين البهام اليوم بإسناد مهمة دعم الجبهات إلى العيسي ليست مجرد مطالبة بتكليف شخص بمهمة، وإنما هي اعتراف برصيد صنعته مواقف الرجل، وبقدرته على تحمل المسؤولية عندما تكون الظروف صعبة والنتائج غير مضمونة.
أما أحمد صالح العيسي، فقد أثبت موقفه في وقت لم تكن فيه المواقف سهلة، ووقف حيث كان يجب أن يقف، ودعم حيث كانت الحاجة إلى الدعم، وتحمل ما ترتب على موقفه.
ولهذا لا أعتقد أن العيسي بحاجة إلى مهمة جديدة حتى يثبت وطنيته، كما لا تحتاج مواقفه إلى من يمنحها شهادة.
إنما السؤال الحقيقي اليوم ليس: هل يستطيع العيسي أن يقوم بالمهمة؟
بل: هل أصبحت البيئة التي صنعتها سنوات الحرب جديرة بأن يحمل فيها رجل مثل العيسي مسؤولية وطنية بهذا الحجم؟
ربما لو كانت معايير المرحلة تقوم على الكفاءة والموقف الوطني والقدرة على تحمل المسؤولية، لكان طرح الأستاذ حسين البهام أكثر منطقية.
أما إذا ظلت المصالح وحسابات النفوذ حاضرة في صناعة القرار، فإن رفض العيسي للمهمة قد يكون الموقف الأكثر انسجاماً مع تاريخه.
فالرجال الذين خدموا الوطن عندما كان الثمن غالياً، لا يحتاجون إلى أن يثبتوا أنفسهم أمام من جعلوا من الحرب باباً للنفوذ والمكاسب.
ويبقى العيسي رجل مواقف، سواء أُسندت إليه مهمة أم لم تُسند، لأن قيمة الرجال لا تُقاس بما يُمنح لهم من ملفات ومناصب، وإنما بما قدموه عندما كان الوطن بحاجة إلى الرجال.