آخر تحديث :الجمعة-11 سبتمبر 2026-01:01م

علي عزت .. وطنٌ في رجُلٍ !!

الجمعة - 11 سبتمبر 2026 - الساعة 11:34 ص
فيصل العنزي


عندما تزور البوسنة والهرسك لا تستطيع أن تعبر تاريخها الحديث دون أن تتوقف طويلاً أمام شخصيةٍ استثنائية بحجم علي عزت بيجوفيتش رحمه الله .


ذلك الرجل الذي لم يكن اسماً عابراً في سجل السياسة

بل كان فكرةً وموقفاً وإرادةً اختزلت في شخصه

قصة شعبٍ مسلمٍ أراد أن يعيش حراً كريماً على أرضه .


كان علي عزت بيجوفيتش من أولئك الرجال الذين لا تفصل عندهم العقيدة عن الوطن ولا الكرامة عن الحرية .. عاش مؤمناً بأن الإنسان قد يُسجن جسده .. لكن لا يستطيع أحد أن يسجن فكرته .. ولذلك دفع ثمن مواقفه في العهد الشيوعي ودخل السجن غير أن الزنازين لم تطفئ نور الفكرة في داخله بل زادته يقيناً وصلابة .


ثم دارت عجلة التاريخ

وسقطت أنظمة

وتهاوت إمبراطوريات

وانفتح الباب أمام البوسنة لتتنفس شيئاً من الحرية

فإذا بالرجل يجد نفسه أمام امتحانٍ أعظم :

حربٌ ضروس

وعدوانٌ صربي

ومؤامرات دولية

وعالمٌ يتفرج طويلاً على شعبٍ يُذبح

ويُهجّر وتُحاصر مدنه !!


وفي تلك اللحظة لم يكن أمامه ترف الاختيار

فإما أن يقف مع شعبه

وإما أن يترك التاريخ يكتب نهاية البوسنة بغير إرادتها .


فوقف !!

لم يكن قائداً عسكرياً يبحث عن مجد المعارك

ولا سياسياً يفتش عن كرسي

وإنما كان رجلاً يحمل في قلبه إيماناً بوطنه

وانتماءً لشعبه وغيرةً على دينه

وإحساساً عميقاً بالمسؤولية .


قاوم وصبر وتفاوض

وواجه العالم

وبقي متمسكاً بحق البوسنيين في

وطنهم وكرامتهم !!


ولعل أجمل ما في سيرته أن حياته

لم تكن بحثاً عن السلطة

بقدر ما كانت رحلةً في الدفاع عن الإنسان

الإنسان الذي يريد أن يصلي دون خوف

وأن يعيش في وطنه دون أن يُقتلع من جذوره

وأن يكون مسلماً دون أن يُطلب منه الاعتذار عن هويته .


رحم الله علي عزت بيجوفيتش

فقد ترك وراءه أكثر من دولةٍ

خرجت من رماد الحرب

ترك سيرة رجلٍ أثبت أن الإيمان

حين يسكن قلب الإنسان يصبح قوة

وأن المبدأ حين يحمله الرجال لا يموت بالسجن

ولا تهزمه البنادق ولا تسقطه المؤامرات !!


وحين تقف اليوم في سراييفو

وترى المساجد التي بقيت شاهدة

والمقابر الممتدة على سفوح الجبال

وتشاهد آثار الحرب وقد امتزجت بجمال الطبيعة

تدرك أن البوسنة ليست

مجرد بلدٍ جميل في قلب أوروبا

وإنما هي حكاية شعبٍ دفع ثمناً باهظاً ليبقى

وكان علي عزت بيجوفيتش واحداً من أبرز

الذين حملوا هذه الحكاية على أكتافهم .


رحم الله رجلاً عاش لقضية

ومات وهو مطمئن أن

راية وطنه لم تسقط .