حين يتحول الشعب إلى وقود في سوق النخاسة السياسية ، بينما يتربع قادة المشهد وحواشيهم في رغد العيش ، متنقلين بين عواصم الترف وفنادق الجوار ، يتجرعون ما لذّ وطاب من ثمار المال العام المنهوب ، يرزح المواطن البسيط تحت وطأة معاناة لا تنتهي .
ووقوداً لمعارك عبثية وحروب بالوكالة ، لا ناقة لهم فيها ولا جمل ، سوى أنهم وجدوا أنفسهم مجرد أرقام في محرقة سلطة غاشمة .
إن أبناءنا اليوم هم الضحايا الحقيقيون لفساد مستشرٍ وعمالة مكشوفة تتجسد بوضوح في مواقف ما تُسمى بـ "الشرعية" ، ومعها لفيف من الأحزاب والقوى السياسية التابعة لها ، هذه المكونات التي ارتهنت بالكامل للخارج ، واستمرأت الع لقد نجحت سياسات الفساد الممنهجة في إفقار جيل بأكمله ، وحرمان شبابنا من أدنى حقوقهم في التوظيف والعيش الكريم، ليرتموا مجبرين في سوق البطالة وعوز الحاجة ، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد ، بل جُعل من هؤلاء الشباب ضحايا
يش في جلباب الخضوع والخنوع التام للرغبات والإملاءات الخارجية ، من خلال مقايضةً سيادة بلدها بامتيازات شخصية ومناصب وهمية . وفي المقابل، يستمر هؤلاء المسؤولون في التشدق بشعارات وطنية براقة لا يؤمنون بها ، ولا يتقنون سواها للاستهلاك الإعلامي وتضليل الرأي العام ، يتباكون زيفاً على وطن كانوا هم أول معاول هدمه ، وباعوا سيادته وقراره المستقل وثرواته السيادية في سوق نخاسة السياسة والارتهان الإقليمي من أجل كرسي الحكم .
لقد أدت هذه السياسات إلى تدمير ممنهج للبنية التحتية والخدمات الأساسية ، فلا صحة تقي الناس الأمراض ، ولا تعليم يبني العقول ، ولا كهرباء أو مياه أو اتصالات أو صرف صحي ، ناهيك عن الطرقات المتهالكة. كل هذا الخراب جاء نتاجاً طبيعياً للتنازلات المخزية التي قدمتها القوى المحسوبة على الشرعية استجابة لمطالب إقليمية عدائية ، وقُدِّمت كقربان وتأشيرة مرور للوصول إلى كراسي الحكم. لكنه حكم مشوه على أطلال وطن مدمر، وشعب يطحنه الفقر والذل والمرض يومياً.
إن التمسك الأعمى بكرسي السلطة من قبل هذه النخب الموالية للخارج بالتبعية العمياء لم يكن يوماً من أجل بناء دولة أو استعادة مؤسسات، بل ليكون خط دفاع يحمي منظومة الفساد من عدالة القانون والمحاسبة ، ووسيلة لاستمرار تدفق الأموال المغتربة في حساباتهم. ورغم قتامة المشهد، إلا أن التاريخ يعلمنا أن للشعوب كلمة فصل لا بد أن تُقال ، وأن قطار الخنوع لا بد أن يتوقف .
سيأتي اليوم الذي ينتفض فيه الشعب ويستعيد قراره المسلوب من قبضة الوصاية، ليسمع القاصي والداني صوت الحق والتصحيح ، وتطهير الوطن من بائعي السيادة .
عبدالكريم الداالي