يحمل شهر سبتمبر رمزية خاصة في تاريخ اليمن المعاصر؛ فهو شهر يزخر بالأحداث التي مثلت تحولات جذرية ومفصلية في الواقع اليمني، ابتداءً من وفاة الإمام أحمد بن يحيى بن حميد الدين، وصولاً إلى واقع المواجهات القائمة على الجغرافيا اليمنية في هذه الفترة من شهر سبتمبر.
من الإمامة إلى الجمهورية الدامية (سبتمبر 1962)
في منتصف شهر سبتمبر من العام 1962، توفي إمام المملكة المتوكلية في شمال اليمن، الإمام أحمد بن يحيى بن حميد الدين، ليخلفه في الحكم ابنه محمد البدر. ففي 19 سبتمبر من العام ذاته، وبمبايعة أسرية وقبلية ودستورية إصلاحية، تربع البدر على عرش المملكة.
إلا أن مدة حكمه لم تتجاوز أسبوعاً واحداً؛ فبعد أول خطاب سياسي ألقاه في الجامع الكبير بصنعاء معلناً فيه إتباع نهج أبيه، بدأت تتحرك عجلة التحرر التي قادها تنظيم الضباط الأحرار والقيادات الإصلاحية والدستورية (كالأرياني وأحمد محمد نعمان) ممن خيب الخطاب الإمامي ظنونهم. لينتهي الأمر بقيام ثورة 26 سبتمبر وإعلان البيان الجمهوري الأول على لسان أول رئيس للجمهورية العربية اليمنية، المشير عبد الله السلال.
لكن هذه الثورة لم تنجح كلياً في القضاء على الملكية، ممثلة بالملك البدر الذي لجأ إلى المملكة العربية السعودية، وهو ما جعل من جمهورية الـ26 من سبتمبر جمهورية دامية بفعل الصراع (جمهوري - ملكي إمامي) حظي بدعم مصري سعودي واستمر لسنوات.
قيام الجمهورية الخالصة في سبتمبر
بعد مضي ما يقارب ثماني سنوات من الصراع الجمهوري الملكي، وتحديداً في 3 سبتمبر 1969، تمكنت القوات الجمهورية من إحكام قبضتها على آخر معاقل الملكية في أقصى شمال اليمن (محافظة صعدة) وإجراء مناورات عسكرية مع القوات الملكية في المناطق الحدودية اليمنية السعودية.
شكل هذا الحدث نقطة تحول مفصلية ومحطة جمهورية هامة، هيأت الظروف لقيام الجمهورية اليمنية الخالصة وساهمت في تثبيت أركانها، حيث دفعت إلى توقيع اتفاق المصالحة الوطنية عام 1970؛ والتي أتت كرغبة يمنية في إنهاء الحرب الأهلية، ورغبة وضرورة سعودية تحفظ الأمن والاستقرار وتفتح المجال لتطبيع العلاقات اليمنية السعودية. إضافة إلى عوامل أخرى ساهمت في إنجاح ذلك كجهود الوساطة الكويتية السودانية، لينتج عن كل ذلك قيام الجمهورية العربية اليمنية المعترف بها رسمياً كدولة مستقلة.
سبتمبر والأسس الأولى للوحدة اليمنية
تزامناً مع الذكرى العاشرة لثورة سبتمبر المجيد، اندلعت شرارة الحرب الأولى بين الشطرين (الشمال والجنوب)، والتي امتدت على طول الحدود وسط استقطاب دولي جسده الدعم المالي والعسكري السعودي لقوات الجمهورية العربية اليمنية، رافقه دعم مماثل من القوى الاشتراكية للطرف الآخر (جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية).
أتت هذه الحرب كامتداد لزيادة حدة التوتر والأحداث الدامية لقوى المعارضة وعمليات التهجير واللجوء السياسي بين الشطرين. وأدى تصاعد الصراع وارتفاع ضغط المخاوف العربية من استمراره إلى خلق تحرك عربي لاحتواء الأزمة، تمثل في مشاورات القاهرة التي نظمتها جامعة الدول العربية خلال الفترة ما بين 13 سبتمبر و28 أكتوبر.
أثمرت هذه المشاورات عن تشكيل لجنة توفيق عربية عملت على تقريب وجهات النظر بين الخصوم السياسيين للشطرين، وانتهت بتوقيع اتفاق القاهرة الذي وضع الأسس الأولى للوحدة اليمنية، ورغم أن التوقيع على اتفاق القاهرة تم في الثامن والعشرين من أكتوبر، إلا أنه لم يكن سوى امتداد لمشاورات سبتمبر.
سبتمبر وعودة الملكية بثوب جديد
بعد مرور 42 عاماً على قيام الجمهورية العربية اليمنية المعترف بها دولياً، وما يقارب 24 عاماً على قيام الجمهورية اليمنية الموحدة، وتحديداً في الذكرى الثانية والخمسين لقيام الثورة اليمنية ضد الحكم الملكي، يعود سبتمبر ليلقي على الجمهورية تحولاً يعيدها إلى الوراء لترزح صنعاء مجدداً تحت وطأة ملكية ترتدي زياً جمهورياً.
ففي 21 سبتمبر من العام 2014، استطاعت جماعة أنصار الله (الحوثيون) من إحياء ماضٍ يعود إلى ما قبل 42 عاماً، إذ تمكنت من إحكام قبضتها على معظم المحافظات اليمنية بما فيها العاصمة صنعاء، ووضعت يدها على كل مؤسسات الدولة. وفي ذات التاريخ، تم التوقيع على ما سمي "اتفاق السلم والشراكة الوطنية" برعاية أممية، والذي قضى بتشكيل حكومة كفاءات جديدة وتعيين مستشارين رئاسيين.
أدى ذلك إلى تقديم الحكومة اليمنية استقالتها، وتطورت الأحداث لاحقاً لتؤدي إلى انهيار الاتفاق ووضع الرئيس هادي تحت الإقامة الجبرية، وهو ما دفعه إلى تقديم استقالته واللجوء إلى المملكة العربية السعودية، وما تلاها من أحداث كالتحالف العسكري لتتحول اليمن إلى ساحة صراع لمصالح إقليمية.
سبتمبر: الاختبار الأصعب لعودة جمهورية تتضارب بها المصالح الإقليمية
تمثل الأحداث والتطورات الأخيرة من شهر سبتمبر أصعب الاختبارات لعودة الجمهورية اليمنية التي باتت رهينة لتضارب المصالح الإقليمية والدولية. إذ يشهد اليمن ما يمكن وصفه بأشرس تصعيد عسكري منذ إعلان الهدنة المؤقتة والهشة في العام 2022، حيث تشتعل المواجهات المحلية في أربع جبهات رئيسية: تعز، الحديدة، مأرب، والجوف.
يأتي هذا التصعيد كامتداد لصراع المصالح الدولية (كالصراع الأمريكي الإيراني)، وفي الوقت ذاته يمثل نموذجاً لصراعات المصالح الإقليمية بين صنعاء والرياض. ويمكن الاستدلال على ذلك من خلال تتبع تسلسل الأحداث؛ ابتداءً بتفاقم الأزمة الدولية وعدم التوصل إلى اتفاق، مروراً بفشل تنفيذ خارطة الطريق بين جماعة أنصار الله والحكومة الشرعية والرياض، وصولاً إلى إعلان الحوثيين عن فرض معادلة جديدة "الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد" تستهدف البنى التحتية وشركات إنتاج الطاقة وحركة الملاحة في البحر الأحمر.
تترجم هذه المعطيات خارطة تحول في الصراع تعكس رغبة حوثية في السيطرة على الساحل والمناطق الحدودية لفرض نفسها كقوة إقليمية ذات ثقل تملي شروطها في أي مشاورات مستقبلية. وفي المقابل، أثار هذا التوجه مخاوف عميقة لدى المملكة العربية السعودية، مما دفعها لتقديم دعم مكثف للحكومة الشرعية تحسباً للتهديدات التي تطال عمقها الاستراتيجي وخطوط الملاحة في باب المندب وميناء المخا.
إنّ التصعيد القائم في السواحل والمناطق الشمالية يتقاطع بشكل كامل مع الأجندات الإقليمية والدولية، مبتعداً كل البعد عن تطلعات ومصلحة الشعب اليمني. وبذلك يكرس شهر سبتمبر حضوره كرمز متجدد للمحطات المصيرية، ليغدو اليوم اختباراً قاصماً لجمهورية يرتهن مصيرها بصراعات الكبار، وهو ما يثير عاصفة من التساؤلات في الذهن اليمني.
تساؤلات ...
تٔرى هل سيظل شهر سبتمبر مجرد ذكرى عابرة لمحطات من الصراع والانهيار والانكسارات، أم أنه سيتحول مجدداً إلى محطة وطنية جامعة تُعيد إحياء المشروع الجمهوري الأصيل؟ و ما المفاجآت الكبرى التي تخبئها الأيام المتبقية من سبتمبر الجاري، وكل سبتمبر آتٍ، في مسار معركة اليمن المصيرية؟