حين يُذكر الشعر الشعبي في أبين، فإننا لا نتحدث عن لونٍ من ألوان الترف الأدبي، وإنما نتحدث عن مؤسسة ثقافية متكاملة، حفظت تاريخ المجتمع، وسجلت أحداثه، وصانت ذاكرته الجمعية، وكانت لسان الناس في أفراحهم وأتراحهم، وفي السلم والحرب، وفي الرضا والغضب.
ومن بين تلك الأسماء التي صنعت هذا المجد الشعري يبرز اسم الشاعر العملاق علي رامي بوصفه واحدًا من أكثر شعراء أبين حضورًا في الذاكرة الشعبية، وأشدهم التصاقًا بوجدان الإنسان الأبيني.
لقد كان شاعرنا الفذ يرى في القصيدة رسالةً قبل أن تكون صناعةً لفظية، ويؤمن بأن الكلمة الصادقة تستطيع أن تصنع ما تعجز عنه الخطب الطويلة.
لم يأتِ علي رامي من فراغ، بل خرج من بيئة كانت تؤمن بأن الشعر ديوان القبيلة، وسجل التاريخ، ولسان الحكمة.
ومن هذه البيئة استمد الشاعر مفرداته وصوره وأخيلته، فجاء شعره مفعمًا برائحة الطين بعد المطر، وبصوت السواقي، وبظلال أشجار السدر والنخيل، وبحركة الفلاح في الحقل، وبصبر الإنسان الأبيني على قسوة الحياة.
يمتاز شعر علي رامي بقدرته على تحويل المشهد الريفي البسيط إلى لوحة فنية نابضة بالحياة....
فالطائر عنده ليس مجرد طائر، بل رمز للحرية، والمطر ليس مجرد ظاهرة طبيعية، بل بشارة بالخلاص، والوادي ليس مكانًا جغرافيًا، بل صورة للحياة التي تجري رغم العوائق.
عاش علي رامي في مرحلة مضطربة من تاريخ الجنوب اليمني، فكانت قصيدته وثيقةً وطنية بقدر ما كانت نصًا أدبيًا.
وقد عبّر عن رفضه للظلم، ودافع عن الكرامة الإنسانية، ودعا إلى التمسك بالهوية والقيم الأصيلة، وعبر عن رفضه القاطع للامتداد البريطاني إلى منطقة دثينة.
تجلّى ذلك في كثير من قصائده، التي قال فيها:
حرب النصارى بالمكينة والشمنجل
والعرب ماهن بسوقيه ومردوده
الشمنجل: كلمة بريطانية المصدر، وهي نوع من أنواع السلاح الآلي.
بسوقيه، ومردودة: المقصود بها الذخيرة محلية الصنع.
وفي موضع آخر عبّر عن امتعاضه من تمدد الإنجليز في دثينة فقال:
بن رامي علي مالليلة امشوحط بشامة
وامبشامة شوحطة وامحيد مكدامة
بن رامي علي كلن ينافي في كلامه
والكلام الكذب شعها راحت أيامه
سيجر قدم الكوميه ساهن في مرامه
وكلها تمشي على القينون واحكامه
بن رامي علي سعيد من قد راح زامه
لا بصر عسكر ولا حكام قدامه
كان النمر ينهم من الشامخ نهامة
والذئاب العاوية تسهن تلحامه
امشوحط: شجرة تعرف بصلابة عودها، وامبشامة: شجرة عودها لين.
وهو هنا يشبه اختلاط الأمور وتغير الأحوال، ويسخر من هذا الوضع الذي يرفع الوضيع ويخفض الرفيع.
سيجر: هو المستشار البريطاني في دثينة.
وفي البيت قبل الأخير يعبر عن مدى صدق مشاعره، وعجزه عن فعل ما ينبغي فعله مع الإنجليز، وتمنى لو أنه قد تخطفته المنية قبل أن يرى ذلك الوهن.
استطاع شاعرنا أن يخوض في جميع أضرب الشعر، وأنواعه، وفنونه، وأغراضه، وكان فارسًا لا يُشق له غبار.
ورغم أميته، إلا أن قدراته الشعرية الفائقة مكَّنته من أن يحمل المعاني العميقة في أوعية لغوية بسيطة، وأن يشحنها بدلالات فكرية وأخلاقية وإنسانية بعيدة الدلالة.
فكانت الكلمة عنده مألوفة، أما المعنى فكان يتجاوز ظاهرها إلى آفاق أرحب من التأمل والحكمة.
فها هو فارسنا يبدع بصياغة قصيدة مستوحاة من ثلاث لغات (إنجليزية، وهندية، وصومالية)، وذلك لأنه كان دائمًا ما يُستدعى إلى عدن أيام المناسبات والأفراح.
بن رامي.. كمان.. ياس.. بالإنجليزي
ون.. تو.. ثري.. فور.. فيفالة
كو.. يا.. لبا.. هرج صومالي
أفر.. صدح.. لعج.. ماله
أيك.. دو.. هرج هندية
كشف.. كرينك.. إيك.. آنه
عاد امحريوة تبا مجول
من بعد مطلع ومنزالة
ومن يكذب بذا هرجي
يجيب في هرجي أمثاله.
وأما شعره في الحب والعاطفة والغزل، فبحر لا ساحل له.
قيل: إنه كان ذات يوم يتمشى في شوارع عدن، فلفت نظره فتاة فائقة الجمال، فهاجت قريحته الشعرية، فنظم هذه الأبيات الرائعة:
بن رامي علي بالله توكل
برب العرش حكام الدعية
وابن رامي علي له قلب يشعل
وباب العشق من فكه بلية
رماني صاحب الطرف المكحل
من الروشان وأتفرج عليه
وفك الباب دي دونه مقفل
ونفسي في قباله مولعية
ويا طارح على لكعاب ململ
وفوق الخد نقشة سنبلية
قتلني صاحب الطرف المكحل
بطرف أكحل وقامة مستوية
وقطعني قطعًا من كل مفصل
وقلاني في المقلى قلية
(القصيدة طويلة، مسجلة في ديوانه).
وأما الحكمة والتجليات الإيمانية، فقد كان لها من شعره نصيب وافر.
ففي قصيدته المعنونة بـ(يا الله يا سامع تسابيح كل ديك)، والتي تعتبر من عيون شعره، بل من عيون الشعر العامي اليمني، وعدد أبياتها سبعة وأربعون بيتًا، ونحن هنا سنستقطع منها هذه الأبيات، والتي يقول فيها:
يا الله يا سامع تسابيح كل ديك
لا صاح وسط امليل تغريد تفطنه
ولا سبحت لملاك في العرش والسليك
والعبد يمسي في نثاره وخيطنة
ويا واحدًا لا لك معاون ولا شريك
سامع دبيب النمل مقبل ومبطنه
لا يوصفك واصف ولا يدركك دريك
وما يفهمكشي ترجمان المراطنة
يا الله تغفر ذنب عبد مظن فيك
متعوب من حاله بكذبة وغصبنة
عندي خطايا بالغلط بيَّنة عليك
مكتوب عندك في كتبها مغطنة
نستغفرك يا حي دايم وتوب لديك
يا غافر الزلات بعد المشاطنة
معزنا منك ومرجوعنا إليك
ترضى علينا واكفنا كل سخطنة
يقول ابن رامي علي وقتنا عبيك
عبيك معبوكات عبكة معبكنة
لا تأمن امصاحب ولا ترتكي بخيك
ولا كلام الصدق تلقاه مسكنه
ولا قدك مبرور من ذنب والديك
اسجد وسبح لا ثيابك مصبنة
وإن كان عندك ذنب، ذنبك كتب عليك
لو باتسوي مئة حجة مبطنة
حتى ولا حجيت لا مكة المكيك
ذنبك على جنبك ذنوب المخاينة.
إلى جانب ذلك، امتلك علي رامي موهبةً بارزةً في المناظرات، والمساجلات الشعرية، جمع فيها بين سرعة البديهة، وقوة الحجة، وجزالة المعنى.... حتى غدا أحد الأصوات الشعرية التي تركت أثرًا واضحًا في تقاليد المحاورة الشعرية في أبين.
ومن أبرز تلك المناظرات والمنازلات ما تُبادِل بينه وبين الشاعر العملاق (أبو حمحمة مكرش)، وفي هذه القصيدة تحدى بعضهما بعضًا بأن يبدأ أحدهما بشطر، والآخر يكمل الشطر الثاني، وهما واقفان في المقام نفسه.
فكانت البداية لعلي رامي، حيث قال:
ريت السماء في الأرض، والأرض السماء.
فرد عليه مكرش:
باحط لي في الأرض، ولا في السماء باطير.
مكرش: بوحمحمة بيه ظمأ، بيه ظمأ.
رامي: لابك ظمأ، اشرب شف الماء جنبنا في الزير.
رامي: يا غيل ماء، يا غيل ماء.
مكرش: أيش اخرج الماء يا مغفل من قعور البير؟
مكرش: ماشي كما، ماشي كما.
رامي: لا الغير كالحالي، ولا الحالي شبيه الغير.
ورغم صعوبة الموقف، قرر الفارسان أن يتباريا بربع شطر، حيث يبدأ الأول بربع شطر، ويكمل الثاني الربع الآخر.
فبدأ رامي يرتجز قائلًا:
الليلة البيضاء لمن؟
فأكمل مكرش:
لحلاب العصوص.
مكرش: ذي دق دوم العلب.
رامي: حتى خرج الفرصوص.
والصياغة الشعرية للبيت كالتالي:
الليلة البيضاء لحلاب العصوص
ذي دق دوم العلب حتى خرج الفرصوص.
(العصوص: الماعز التي يصعب حلب ضرعها لصغر مخرج الحليب، والفرصوص: نواة ثمرة السدر).
لقد أسهم علي رامي في ترسيخ مكانة الشعر الشعبي بوصفه وعاءً للهوية الثقافية في أبين، وأثر في أجيال من الشعراء الذين ساروا على نهجه في الجمع بين الحكمة والالتزام الاجتماعي.
كما أصبحت قصائده تُتداول في المجالس والأسواق والمناسبات العامة، وهو ما منحها صفة الخلود الشعبي، إذ انتقلت من جيل إلى جيل بالرواية الشفوية، قبل أن تُدوَّن نتفٌ منها في بعض الدراسات والمجاميع الأدبية.
خاتمة:
إن الحديث عن علي رامي هو حديث عن مرحلة كاملة من تاريخ أبين الثقافي، كان فيها الشعر سجلًا للأحداث، ومنبرًا للإصلاح، ولسانًا للحكمة، ووسيلةً للدفاع عن الإنسان والأرض والقيم.
لقد رحل الشاعر، لكن أثره بقي حيًا في الوجدان الشعبي، لأن الشعر الصادق لا يموت، ولأن الكلمة التي تنبع من ضمير الأمة تظل قادرة على عبور الزمن.
وسيبقى علي رامي واحدًا من أولئك الشعراء الذين لم يكتبوا للترف الأدبي، وإنما كتبوا ليحفظوا للناس ذاكرتهم، وللوطن صوته، وللقيم مكانتها في زمن التحولات.
إذا أردنا أن ننصف الشاعر الشعبي الأبيني علي رامي، فإن الواجب العلمي يقتضي الاعتراف بأن تراثه ما زال حبيس الرواية الشفهية.
وقد بذل كل من الباحث عبدالله عنبر، والأستاذ علي ناصر المسيري ـ رحمهما الله ـ، والشاعر الشعبي عبدالله الجحفلي جهودًا جبارةً لجمع تراثه الشعري، إلا أنه لم يرقَ إلى المستوى المطلوب، كديوانٍ لشاعر بحجم علي رامي.
وأخيرًا:
يكفيه فخرًا أن يشهد له، وللشاعر الكبير ناصر عبدربه الميسري (أبو حمحمة)، الشاعر اليمني الكبير عبدالله البردوني، حين استمع إلى بعض أشعارهما، فقال كلمته الشهيرة: «هؤلاء جن»، في إشارة إلى فرط موهبتهما الشعرية، ودهشته من قدرتهما الفائقة على الارتجال والإبداع.
رحم الله علي رامي رحمة الأبرار، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن وطنه وتراثه الشعبي خير الجزاء.