تتكسر السرديات السياسية والخطاب الإعلامي لجماعة الحوثي بشأن عدم رغبتها في التمدد صوب المحافظات الجنوبية أمام الواقع الميداني؛ إذ تكشف الحسابات الأمنية والاستراتيجية أن تصريحات التهدئة لا تعدو كونها مناورة تضليلية للتغطية على مخطط واسع يستهدف خطوط الملاحة والموانئ الحيوية.
عند قراءة توقيت التصعيد العسكري، يتضح جلياً ارتباطه المباشر بالاستراتيجية الإيرانية في المنطقة؛ حيث صُمم التحرك في بدايته كأداة ضغط على السعودية وواشنطن عبر تعطيل حركة الملاحة في باب المندب بالتزامن مع توترات مضيق هرمز. غير أن الصرامة والرسائل التحذيرية الشديدة من الإدارة الأمريكية دفعت الجماعة إلى تعديل العمليات؛ فنقلت ثقل التصعيد من المياه الإقليمية إلى الموانئ والمنافذ البرية للالتفاف على الغضب الأمريكي، مع الإبقاء على حالة التهديد قائمة لمصلحة طهران .
هذا التحول في مسار التصعيد الحوثي سيخلق بالنتيجة معادلة أمنية إستراتيجية جديدة وبالتالي شكل مختلف في مسار الصراع باليمن .
أنها معادلة السيطرة على الموانئ الاستراتيجية باليمن لضمان نفوذ أوسع على المياة الإقليمية ورفع مستوى التأثير المباشر على المصالح الحيوية المرتبطة بأمن الملاحة الدولية في الإقليم .
هناك ستة موانئ يمنية تحظى بأهمية إستراتيجية متفاوتة، اثنان منها يقعان بالفعل تحت سيطرة الحوثي وهما ميناء الحديدة والصليف فيما البقية وهي ميناء المخاء وعدن والمكلا ونشطون تقع تحت سيطرة الشرعية .
جغرافيا وحتى إستراتيجيا سيبدو ميناء المخاء هو الهدف الأقرب والاجدى لخطة السيطرة الحوثية، حيث يبعد الميناء فقط مائة كيلومتر عن ممر الملاحة الدولي، وستحقق خطوة السيطرة عليه مكسبا مهما وخاطفا لتلك الخطة، والذي بدوره سيوفر مكسبا نوعيا لصالح حسابات إيران في ملف الحرب مع أميركا .
وبطبيعة الحال، لن يتوقف طموح الحوثيين عند ميناء المخاء حيث تدفع مثل تلك الخطوة حال نجاحها نحو تعاظم الرغبة الحوثية في توسيع نطاق سيطرتها على سواحل اليمن وتحقيق المزيد من المكاسب والتأثير في ملف الصراع الإقليم وليس الداخلي وحسب .
وهنا من المؤكد أن تتجه أنظار الحوثيين صوب ميناء عدن وبقية سواحل الجنوب كهدف إستراتيجي متاح، غير أن هذا الهدف سيكون أكثر مكسبا وأهمية بوصفه متعدد النتائج، فبالاضافة إلى ما يمنحه نجاح خطوة السيطرة على ميناء عدن من نفوذ إضافي مهم في مياة الإقليم كإرتداد خارجي للخطوة تلك فإن مجرد تأكيد السيطرة أو حتى نقل المعركة إلى عمق الجنوب سيعني بوضوح فرض معادلة أمنية جديدة لدى مشهد الداخل ومعها بالضرورة فرض إشتراطات ومسارات أخرى تتعلق بمسار السلام وشكل المرحلة القادمة .
لذا من الواضح وقياسا بما سيحققه الحوثيون من مكاسب هامة جراء مواصلة طريق السيطرة الإستراتيجية نحو موانئ وسواحل الجنوب كهدف مزدوج أن فرضية توقفهم عند ميناء المخاء تبقى مجرد سردية عبثية خادعة وتسوق لغرض سياسي تضليلي يعنى بإشاحة النظر عن حقيقة مآرب الخطة الكاملة لقرار التصعيد في الداخل .
وليس بعيدا عما يتم تصوره هنا جاء بيان الأمم المتحدة قبل ساعات مؤكدا حقيقة أن إستمرار التصعيد الحوثي الحالي قطعا سيقود إلى إتساع نطاق المواجهات .
وبما معظم جغرافيا الشمال خاضعة لسيطرة الحوثيين فمن المؤكد أن نطاق المواجهة المتسع سيكون جغرافيا الجنوب .
ولأن موضوعية التصورات لاتكتمل إلا ببرهان الوقائع، فدعنا إذن نقرأ إحدى الوقائع الحية التي تفضح سرديات الحوثيين في عدم نيتهم الاقتراب من مناطق الجنوب ..!
الأسبوع الماضي، ولأول مرة هاجمت مسيرة حوثية نقطة تفتيش واقعة في منطقة الحد بيافع وهي نقطة فاصلة بين مناطق سيطرة الشطرين سابقا الشمال والجنوب، الهجوم كما أكد لي أحد عناصر النقطة الناجين أدى إلى استشهاد قائد النقطة وإصابة عدد من الأفراد.
فجر الجمعة الماضي تقريبا عاود الحوثيون هجومهم المسير على النقطة بهدف التقدم المباشر، فيما تحركت التعزيزات الأمنية من عدن صوب الحد لمواجهة أي تقدم محتمل من قبل الحوثيين .
مثل هذه الواقعة المتمثلة في محاولة التقدم وتثبيت أمر واقع جديد تؤكد بما لايدع مجالا للشك وجود نوايا حوثية لإجتياح مناطق الجنوب مجددا وإرتباط ذلك بمخطط السيطرة الواسعة ورغبة فرض معادلة أمنية مختلفة بما يحقق نفوذا وتأثيرا أكبر على المستويين المحلي والاقليمي .