آخر تحديث :الإثنين-02 نوفمبر 2026-01:30م

حرب الساحل.. حين تكون المعركة على اليمن وباب المندب والتجارة العالمية

الخميس - 10 سبتمبر 2026 - الساعة 08:03 ص
صلاح البندق


عشرة أيام من القتال المتواصل في المخا وحيس والجراحي والبرح ومناطق أخرى من غرب تعز، ليست مجرد عشرة أيام عسكرية عابرة، ولا ينبغي قراءة ما يجري باعتباره اشتباكاً محدوداً على خطوط تماس متفرقة.


المشهد أكبر من ذلك بكثير.


عندما تتحرك المعارك في رقعة جغرافية تمتد من عمق تعز نحو الساحل الغربي، فإن السؤال الحقيقي لا يصبح: من تقدم بضعة كيلومترات؟ ومن خسر موقعاً عسكرياً ؟


السؤال الأخطر هو:


من يريد الوصول إلى البحر؟ ومن يريد الإمساك بمفاتيح الطريق المؤدي إلى باب المندب؟


الحرب التي تُقرأ من الخريطة


في الحروب، لا تكفي قراءة بيانات الجبهات؛ فالخريطة أحياناً تقول ما لا تقوله البيانات.


المخا وحيس والجراحي والبرح ليست أسماء متناثرة على خارطة اليمن، بل تقع ضمن نطاق جغرافي شديد الحساسية، تتقاطع فيه الطرق البرية مع الساحل، ويتصل فيه العمق اليمني بالممرات البحرية.


ولهذا فإن السيطرة على هذه المناطق تمنح صاحبها أفضلية عسكرية وجغرافية، وقد تتحول هذه الأفضلية إلى ورقة سياسية واقتصادية.


فالذي يسيطر على الطريق إلى الساحل لا يسيطر على الأرض فقط؛ بل يقترب من مفاتيح النفوذ البحري.


وهنا تبدأ المسألة تتجاوز الحساب اليمني الداخلي.


باب المندب بالجنوب .. النقطة التي لا يمكن تجاهلها


باب المندب ليس مجرد مضيق على الخريطة.


إنه أحد أهم الممرات البحرية التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ومن خلال هذه المنطقة تمر حركة تجارية دولية بالغة الأهمية.


ولهذا فإن أمن باب المندب لا يهم اليمن وحدها، بل يعني القوى الإقليمية والدولية وشركات الملاحة والتجارة والتأمين والطاقة.


ومن هنا يجب أن نكون أكثر واقعية في قراءة الحرب:


قد تبدأ المعركة بسبب الأرض، لكنها قد تنتهي إلى صراع على النفوذ الاقتصادي.


فالسيطرة على الموانئ والمناطق الساحلية والممرات البرية المؤدية إليها تمنح أي طرف قوة تفاوضية أكبر، حتى لو لم يكن قادراً على التحكم المباشر بالملاحة الدولية.


وهذا هو البعد الذي يجب ألا يغيب عن أعين اليمنيين.


إنها حرب على الجغرافيا قبل أن تكون حرباً على المدن


التاريخ يعلمنا أن المواقع الاستراتيجية لا تفقد قيمتها بتغير أسماء المتحاربين.


منذ قرون، كانت الموانئ والمضائق والطرق التجارية أهدافاً للصراعات الكبرى؛ لأن من يملك موقعاً استراتيجياً لا يملك حجراً وتراباً فقط، بل يملك قدرة على التأثير في حركة المصالح.


واليمن تحديداً يمتلك موقعاً جغرافياً لا يملكه كثير من البلدان.


بحر العرب، خليج عدن، البحر الأحمر، وباب المندب.


ثروة جغرافية كان يمكن أن تجعل اليمن مركزاً للتجارة والنقل البحري، فإذا بها تتحول بفعل الحرب إلى سبب إضافي للصراع.


وهنا المفارقة المؤلمة:


بلد يملك موقعاً يمكن أن يجعله بوابة للتجارة العالمية، يعيش شعبه تحت وطأة الفقر والنزوح وانهيار الخدمات والحرب.


لا نريد أن تتحول اليمن إلى ورقة على طاولة الآخرين


الخطر الحقيقي ليس فقط أن ينتصر طرف على طرف.


الخطر أن تتحول الجغرافيا اليمنية إلى ورقة استراتيجية في صراع إقليمي ودولي، وأن يصبح اليمن مجرد ساحة لتصفية الحسابات، بينما يدفع اليمنيون الثمن.


إذا كانت المعركة اليوم في المخا وحيس والجراحي والبرح، فإن السؤال الذي يجب أن يطرح نفسه بقوة هو:


أين ستكون المعركة غداً؟


وإذا أصبحت المعركة مرتبطة بالطريق إلى الساحل، فالسؤال الأكثر خطورة:


من ستكون له الكلمة الأقوى على الساحل؟


ثم:


ماذا يعني ذلك لباب المندب؟


هذه ليست أسئلة للمحللين وحدهم، بل أسئلة تتعلق بمستقبل اليمن وأمن المنطقة وحركة التجارة العالمية.


التاريخ لا يرحم من يسيء قراءة اللحظة


هناك لحظات في التاريخ تبدأ بمعركة صغيرة، ثم تتسع حتى يصبح من الصعب التحكم بنتائجها.


والحكمة السياسية تقتضي ألا ننظر إلى المعركة بعين البندقية فقط، بل بعين المستقبل.


لأن السيطرة العسكرية على موقع ما قد تمنح انتصاراً مؤقتاً، لكن تحويل المواقع الاستراتيجية إلى أدوات دائمة للصراع قد يفتح أبواباً لا يستطيع أحد إغلاقها بسهولة.


اليمن لا يحتاج إلى حرب جديدة تُضاف إلى حروبه، بل يحتاج إلى دولة تحمي جغرافيته وثرواته وموانئه وممراته، وتحوّل موقعه الاستراتيجي من لعنة حرب إلى فرصة سلام وتنمية.


الرسالة الأخيرة


ما يحدث في الساحل الغربي يجب أن يُقرأ بعيون مفتوحة.


لا نُهوّن من المعركة، ولا نبالغ في تفسيرها، ولا ننسب إلى أي طرف هدفاً لم تثبته الوقائع.


لكن من السذاجة السياسية أيضاً أن نتجاهل قيمة الأرض التي تدور عليها المعارك.


المخا ليست مجرد المخا.

وحيس ليست مجرد حيس.

والجراحي ليست مجرد الجراحي.

والبرح ليست مجرد البرح.


إنها أجزاء من جغرافيا تتصل بالساحل، والساحل يتصل بالممرات البحرية، والممرات البحرية تتصل بالتجارة العالمية.


ولهذا فإن معركة اليوم قد تكون عسكرية في ظاهرها، لكنها تحمل في عمقها صراعاً على الجغرافيا والنفوذ والموانئ وطرق التجارة.


ومن يقرأ التاريخ جيداً يعرف أن الدول لا تتصارع فقط من أجل ما تحت أقدامها، بل من أجل ما تستطيع الوصول إليه من خلف حدودها.


فليحذر الجميع من أن تتحول اليمن من بلدٍ يملك باب المندب إلى بلدٍ تُدار أبوابه وممراته لحساب الآخرين.


فالأرض التي لا يحميها مشروع دولة، قد تتحول إلى ساحة مشاريع الآخرين.


وهنا لا تكون الخسارة خسارة معركة واحدة، بل خسارة وطن بأكمله.