هناك لحظات في تاريخ الأمم لا تحتمل التردد، ولا تقبل نصف الحلول، ولا تجامل من يخشى الألم القصير هربا من الوجع الطويل. اليمن اليوم يقف عند واحدة من هذه اللحظات الفاصلة، حيث تتقاطع فرصة تاريخية لاستكمال تحرير الأرض والبحر والجو من قبضة ميليشيا الحوثي الإرهابية، المدعومة إيرانيا، مع إغراء التوقف عند خط منتصف الطريق، وكأن نصف النصر يكفي، وكأن الجرح النازف يمكن أن يُترك مفتوحا إلى أجل غير مسمى.
الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح لا لبس فيه، أن كل يوم يمر دون استكمال عملية التحرير هو يوم يُمنح فيه الحوثي فرصة إضافية لإعادة ترتيب صفوفه، وتجديد تسليحه، وترميم قدراته العسكرية بدعم إيراني متواصل عبر شبكات التهريب البحري والبري. الهدنة الممتدة، والتردد الإقليمي والدولي، والخشية من كلفة المواجهة، كلها عوامل استثمرتها الميليشيا لتتحول من جماعة متمردة مثخنة بالضربات إلى قوة تبتز و تهدد الملاحة الدولية في البحر الأحمر، وتحوّل اليمن إلى منصة أمامية في المشروع الإيراني التوسعي بالمنطقة.
من هنا، فإن السؤال الذي يجب أن يُطرح بجرأة ليس: هل نتحمل كلفة استكمال المعركة؟ بل السؤال الأدق: كم سنة إضافية سنبقى ندفع كلفة عدم حسمها؟ فالخيار الحقيقي أمامنا ليس بين ألم ولا ألم، بل بين وجع محدد الزمن، مؤلم لكنه ينتهي بالنصر والاستقرار، وبين وجع ممتد بلا سقف زمني، يتجدد كل يوم، ويستنزف اليمنيين واستقرار الإقليم بأكمله.
أي عملية عسكرية حاسمة لاستكمال التحرير ستحمل بالضرورة كلفة إنسانية واقتصادية وسياسية، لا يمكن ولا يجوز التهوين منها. سيكون هناك ضغط دولي، وربما ردود فعل حوثية انتقامية تستهدف المدنيين والمنشآت الحيوية، وربما تصعيد مؤقت في جبهات متعددة. هذا واقع يجب الاستعداد له لا الهروب منه.
لكن المقارنة الموضوعية بين كلفة الحسم وكلفة استمرار الوضع الراهن تكشف حقيقة لا تحتمل الجدل: الحوثي المدعوم إيرانيا لن يتحول يوما إلى شريك سياسي مسالم طالما بقي مشروعه قائما على الولاء للولي الفقيه لا للدولة اليمنية، وطالما ظل سلاحه فوق الدولة لا تحت سلطتها. كل تفاوض معه في ظل ابتزازه العسكري واختطافه لابناء الشعب في مناطقه هو تفاوض من موقع ضعف، وكل هدنة معه هي فترة تعبئة لا فترة سلام. أما التوقف عند منتصف الطريق فهو، عمليا، منح الميليشيا صفة أمر واقع، وترسيخ لمليشيا داخل الدولة، وتوريث صراع لا نهاية له للأجيال اليمنية القادمة.
حين تكتمل عملية التحرير، وحين تُهزم الميليشيا هزيمة ساحقة تُنهي مشروعها العسكري والسياسي، فإن اليمن الموحد تحت سلطة الدولة الشرعية سيتحول من ملف أزمة إقليمي إلى ضامن حقيقي للأمن في البحر الأحمر وباب المندب، وشريك مستقر يحمي الملاحة الدولية بدل أن يهددها، ويقطع الطريق أمام أي تمدد إيراني جديد في الجزيرة العربية. هذه ليست أمنية عابرة، بل معادلة استراتيجية واضحة: استقرار اليمن هو استقرار الخليج، واستقرار الخليج هو استقرار طرق التجارة العالمية.
إن التردد أو التراجع اليوم لن يوفر على أحد الألم، بل سيؤجله فقط ليعود أضعافا مضاعفة، حين تصبح الميليشيا أكثر تسليحا وأشد خطرا، وحين يتحول الملف اليمني من أزمة قابلة للحل إلى معضلة إقليمية مزمنة على شاكلة نماذج أخرى في المنطقة استعصت على الحل لعقود.
المقولة الشعبية اليمنية البسيطة وجع ساعة ولا كل ساعة تختزل حكمة استراتيجية عميقة: من الأفضل دائما احتمال ألم حاد ومحدد الزمن ينتهي بالشفاء، من احتمال وجع مزمن يتكرر كل ساعة دون أفق لنهايته. اليمنيون تحملوا، ولا يزالون يتحملون، فاتورة باهظة من الدم والدمار والتهجير بسبب التمرد الحوثي المدعوم إيرانيا. لقد آن الأوان أن تكون هذه الفاتورة استثمارا أخيرا في الحسم، لا تكرارا لدورة النزيف بلا طائل.
على الشرعية اليمنية وحلفائها الإقليميين والدوليين أن يدركوا أن اللحظة الراهنة تحمل فرصة نادرة لإنهاء هذا الملف بشكل جذري، وأن أي تردد سيُقرأ من الحوثي وداعميه الإيرانيين كضعف يستحق الاستثمار فيه لا كرحمة تستحق التقدير. المطلوب اليوم إرادة سياسية حازمة، وتنسيق عسكري وأمني محكم، ودعم دولي وإقليمي حقيقي يترجم الشعارات إلى أفعال، لأن ثمن التردد سيدفعه الجميع، اليمنيون أولا، ثم الإقليم، ثم العالم بأسره عبر ممرات ملاحية غير آمنة ومصدر تهديد لن يتوقف عن التمدد.
فليكن الخيار واضحا وحاسما: وجع ساعة، ولا كل ساعة.