في عصرٍ تتدفق فيه الكلمات والصور والمقاطع بلا انقطاع، لم تعد قيمة المضمون هي التي تحدد مدى حضوره. صار للإبهار حصة، وللقدرة على خطف الأنظار دورٌ في معركة الوصول. وهنا تتجلى مفارقة جديرة بالتأمل: كلما اتسع الفضاء الرقمي، لم تتسع بالضرورة مساحة الأفكار الرصينة، بل تمددت معه مساحة العابر والسريع، حتى غدا الضجيج في كثير من الأحيان أقدر على احتلال الواجهة من الصوت الهادئ المثقل بالمعنى.
حين تعلو التفاهة وتخبو الثقافة لا يكمن الخلل في وجود التفاهة ذاتها. فالترفيه جزء من طبيعة الإنسان منذ كان. كان الناس يضحكون في المجالس، ويروون النوادر في الأسواق، ويبتغون خفة الروح بعد ثقل الحياة. الخطر لا يبدأ إلا حين تتحول التفاهة من استراحة إلى منهج، ومن لحظة عابرة إلى معيار للشهرة والقيمة. وحين يصبح عدد المشاهدات ميزان الجدارة، وكثرة المتابعين شهادة على امتلاك الحقيقة.
أعادت المنصات الرقمية صياغة علاقتنا بالمعرفة. لم يعد القارئ يذهب إلى الكتاب، بل صار الكتاب، والمقال، والفكرة، هي التي تركض خلفه بين زحام الإشعارات. وفي هذا السباق المحموم، تمتلك المواد القصيرة والمثيرة أفضلية واضحة، لأنها لا تستدعي وقتاً ولا تطلب تركيزاً.
وأما الثقافة فشأنها شأن النهر العميق
لا تجري على السطح، ولا تمنح ماءها لكل عابر. الفكرة الجادة تحتاج إلى قارئ متأنٍ، والنص العميق يحتاج إلى عين لا تستعجل خاتمته، والمعرفة الحقيقية لا تثمر في اللحظة الأولى. إنها كالغرس، تحتاج إلى صبر وسقيا وتأمل وربط. لذلك تبدو أحياناً أبطأ من المحتوى الخفيف، لا لعجز فيها، بل لأنها تخاطب أعماق الإنسان لا سطحه.
هناك من يضحكك في ثوانٍ، وهناك من يجعلك تفكر أياماً.
الأول يحصد الأرقام، والثاني يصنع الأثر.
قد لا يتجاوز قراء الثاني أصابع اليد، لكن واحداً منهم قد يحمل الجمرة في صدره سنين، وينقلها إلى غيره، فتتحول إلى سراج. وهذه رحلة لا تقيسها لوحات الإحصاء، ولا ترصدها عدادات الإعجاب.
وهنا المفارقة الكبرى: المنصة تقيس مدى الوصول، لكنها تعجز عن قياس عمق الأثر.
كم من مقطع عبر الملايين ثم محي من الذاكرة كأنه لم يكن. وكم من سطر في كتاب أو بيت من شعر ظل يرافق الإنسان عمراً، لأنه لم يمر على البصر فحسب، بل استقر في الوجدان.
المشكلة إذن ليست في التقنية. التلفاز لم يفسد الذوق، والكتاب لم يصنع العبقرية وحده. إنها في المعايير التي نحكم بها. الخوارزميات لا تعرف الجمال ولا العمق ولا النفع، إنها تبحث عما يطيل المكوث ويزيد التفاعل. لذلك يصل محتوى الصدمة والدهشة والجدل أسرع من محتوى التأمل.
وهذا يضع المثقف والكاتب وصاحب الرسالة أمام مسؤولية جديدة.
ليس من الحكمة أن يقف بعيداً عن أدوات عصره ثم يشكو غياب الجمهور. وليس مطلوباً منه أن يفرغ فكرته من جوهرها ليجاري السوق. المطلوب أن يكون كالشاعر العربي القديم: يلقي الحكمة في قالب يطرب السمع، ويروق العين، ولا يمس جوهر المعنى.
الجاذبية ليست ضد العمق، والبساطة ليست خصم الثقافة، والوصول ليس تنازلاً.
فالمعرفة إن لم تصل فقدت نصف وظيفتها، لأن قيمتها ليست في أن تُحفظ، بل في أن تُحيي.
وعلى الجمهور وزر كبير
المنصة لا تفرض علينا ما نرى، نحن الذين نصنع المشهد باختياراتنا. كل تمريرة إصبع تصويت، وكل مشاركة تزكية، وكل متابعة منحة. وحين نمنح التفاهة ساعاتنا ثم نتساءل عن تراجع الثقافة، نكون قد سقينا المشكلة بأيدينا.
الذائقة لا تهبط فجأة. تبدأ بنكتة خفيفة للتسلية، ثم تصبح هي الأصل، ثم تعتادها العين، ثم يصبح ما عداها ثقيلاً. حتى يجيء يوم يجد فيه الإنسان القراءة عبئاً، والفكرة المركبة إزعاجاً، والحوار العميق تضييعاً للوقت.
وهنا مكمن الخطر: مجتمع يفقد القدرة على التمييز بين ما يُسلي وما يُبني، وبين من له حضور ومن له قيمة، وبين الشهرة والجدارة.
لكن التاريخ يطمننا
كم من ضجيج علا ثم خبا كالدخان. وكم من كتاب لم يقرأه في زمانه إلا نفر قليل، ثم صار بعد عقود منارة للأمم. الضجيج سريع الاشتعال سريع الخمود، أما الأثر فبطيء كنمو الشجر.
قد تعلو التفاهة اليوم، وقد تخبو الثقافة قليلاً تحت وطأة الصخب. لكن الثقافة لا تحتاج إلى صراخ لتثبت وجودها. يكفيها عقل واحد مستعد، ثم عقل آخر يحملها، ثم جيل يكتشف فيها ما غفل عنه السابقون.
إنها ليست معركة بين الثقافة والترفيه، ولا بين المثقف والمنصة. إنها معركة بين المعنى والسطحية، وبين الوعي والاستهلاك الأعمى.
نحن بحاجة إلى فضاء رقمي لا يمنع الضحك، ولكنه لا يجعل الضحك غايته الوحيدة. فضاء يتسع للمجون كما يتسع للمجد، وللخفيف كما يتسع للثقيل، وللسريع كما يمنح البطيء العميق فرصته.
وخلاصة القول:
قد تربح التفاهة معركة الانتشار، لكنها لا تملك مفاتيح المستقبل.
وأما الثقافة فقد تخسر بعض جولات الحضور، لكنها إذا لامست عقلاً حراً تركت فيه أثراً لا تمحوه خوارزمية، ولا تقطعه موجة ترند، ولا تنهيه نهاية موسم.
فما يملأ الشاشة ليس بالضرورة ما يملأ الإنسان.
وما يعلو صوته اليوم ليس بالضرورة ما سيبقى غداً.
التفاهة تخطف اللحظة... والثقافة تصنع الذاكرة.