بعد عناء طويل ومعاناة مع الغلاء وارتفاع اسعار السلع والمواد الغذائية والخدمات يجد المواطن في محافظة أبين نفسه اليوم امام واقع معيشي اكثر قسوة. فالاسواق تزداد غلاء والدخل لم يعد يكفي لتوفير الضروريات الاساسية فيما يواصل المواطن تحمل اعباء الحياة بصبر يفوق قدرته على الاحتمال. ورغم الاستقرار النسبي في سعر الصرف لا تزال اسعار كثير من السلع مرتفعة ولا يشعر المواطن بان هذا الاستقرار انعكس بصورة حقيقية على حياته اليومية.
ومع كل هذه المعاناة كانت الانظار تتجه الى الراتب باعتباره المتنفس الوحيد للاسرة ومصدر الدخل الذي تعتمد عليه في مواجهة متطلبات الحياة. وعندما تم صرف راتب شهرين لبعض الافراد في محافظة أبين كان المتوقع ان يكون ذلك خبراً مفرحاً بعد طول انتظار وان يحصل الموظف او العسكري على كامل مستحقاته ليتمكن من سداد جزء من التزاماته المتراكمة وتوفير احتياجات اسرته. لكن المفاجأة كانت مختلفة تماماً عندما فوجئ بعض الافراد بخصومات كبيرة من رواتبهم.
وبحسب شكاوى متداولة من بعض الافراد فان راتب الشهرين الذي يفترض ان يصل الى 120 الف ريال باعتبار ان راتب الشهر 60 الف ريال لم يصل كاملا الى بعض المستفيدين. فهناك من يقول انه استلم 30 الف ريال فقط من اصل 120 الفا اي ان ثلاثة ارباع المبلغ لم تصل الى صاحبها. وهناك من تحدث عن استلامه 60 الف ريال فقط من اصل 120 الفا اي ان نصف المستحقات تم خصمها. وهذه الارقام ان صحت فهي ليست مسألة بسيطة يمكن تجاوزها او التعامل معها كاجراء عادي لانها تمس قوت اسرة تعتمد على هذا الراتب في حياتها اليومية.
وهنا تبرز اسئلة مشروعة لا بد من الاجابة عنها بكل وضوح وشفافية. من الذي يملك صلاحية الخصم؟ واين القرارات التي تسمح بهذه الخصومات؟ وما هي الاسباب القانونية والادارية التي تقف خلف اقتطاع مبالغ بهذا الحجم من رواتب افراد ينتظرون مستحقاتهم بفارغ الصبر؟ وهل تم ابلاغ اصحاب الشأن باسباب الخصم؟ وهل توجد كشوفات واضحة تبين المبالغ المستحقة والمبالغ التي تم صرفها والمبالغ التي تم استقطاعها والجهة التي وجهت بذلك؟
والاخطر مما سبق ما يثار حول ان بعض هذه الخصومات جاءت بصورة مركزية وهو ما يفتح الباب امام تساؤلات اوسع حول آلية صرف الرواتب والجهات التي تشرف عليها. هل هناك قرارات مكتوبة ومنظمة لهذه الخصومات؟ وهل تم التنسيق بين الجهات المالية والجهات العسكرية والادارية المعنية؟ ام ان هناك اجتهادات او اجراءات لا يعرف المواطن تفاصيلها؟ نحن هنا لا نريد اتهام احد ولا نريد ظلم اي جهة او مسؤول ولكن من حق المواطن ان يعرف الحقيقة كاملة عندما يتعلق الامر براتبه ومستحقاته.
فالراتب ليس منحة تقدم للمواطن متى شاءت الجهات المعنية وليس مبلغاً يمكن التصرف فيه دون توضيح. انه حق مقابل عمل او خدمة ويعتمد عليه الموظف والعسكري في اعالة اسرته وتوفير الطعام والدواء والايجار ومختلف الاحتياجات الضرورية. وعندما ينتظر الانسان راتبه شهوراً ثم يجد عند استلامه ان جزءا كبيراً منه قد اختفى دون ان يعرف السبب فان ذلك لا يزيد معاناته فقط بل يخلق حالة من الاحباط وفقدان الثقة ويجعل المواطن يتساءل عن الجهة التي تحمي حقوقه.
ومن هنا فان المسؤولية تقع على عاتق الجهات المختصة في محافظة أبين للتحقق من هذه الشكاوى ومراجعة كشوفات الصرف والتأكد من حقيقة الخصومات واسبابها. المطلوب ليس بيانات عامة ولا تبريرات مبهمة بل توضيح واضح يبين للمواطن اين ذهبت مستحقاته وعلى اي اساس تم الخصم. فاذا كانت هناك قرارات قانونية تنظم هذه الاستقطاعات فمن حق الناس الاطلاع عليها ومعرفة تفاصيلها واذا كانت هناك اخطاء في عملية الصرف فمن الواجب تصحيحها واعادة الحقوق الى اصحابها.
لقد بحت اصواتنا من كثرة المناشدات وتعبنا من تكرار الحديث عن الغلاء والازمات والرواتب. المواطن اليوم لا يطلب المستحيل ولا يبحث عن امتيازات اضافية بل يريد حقه الطبيعي في الحصول على راتبه كاملا وفي موعده ودون استقطاعات غير واضحة. يريد ان يعرف لماذا خصم من راتبه اذا كان هناك خصم ويريد ان يشعر ان هناك جهة مسؤولة تقف الى جانبه وتحمي حقوقه وتمنع اي تجاوز يمكن ان يمس قوته وقوت اسرته.
رسالتي الى كل من يهمه الامر في محافظة أبين ان هذه القضية لا ينبغي ان تمر بصمت. افتحوا باب المراجعة والتحقق واجعلوا الارقام والكشوفات والقرارات امام الجهات الرقابية وامام اصحاب الحقوق. فالشفافية في مثل هذه القضايا ليست ترفاً سياسياً او اعلامياً وانما ضرورة لحماية المال العام وحماية حقوق الموظفين والعسكريين على حد سواء. وكلما كانت المعلومات واضحة ومعلنة كلما انخفضت مساحة الشائعات والاتهامات واصبح من السهل معرفة الحقيقة ومحاسبة المخطئ ان ثبت وجود اي تجاوز.
فوراء كل راتب اسرة تنتظر ووراء كل خصم لقمة عيش ووراء كل مبلغ يقتطع حاجة ضرورية. المواطن الذي يواجه الغلاء وارتفاع اسعار المواد الغذائية والخدمات لا يحتمل ان يخسر جزءا كبيراً من راتبه دون معرفة السبب. لقد تراكمت على الناس الازمات حتى اصبح الراتب الذي ينتظرونه بفارغ الصبر سببا جديدا للقلق بدلاً من ان يكون متنفساً لهم. ولذلك فان معالجة هذه القضية بشفافية وسرعة اصبحت مسؤولية لا تحتمل التأجيل.
نحن لا نبحث عن خصومة مع احد ولا نريد استهداف شخص بعينه وانما نطرح قضية تمس حياة الناس وحقوقهم. ومن حق كل مواطن ان يسأل ومن واجب المسؤول ان يجيب. ومن حق الموظف والعسكري ان يعرف قيمة مستحقاته ومن يملك صلاحية الخصم ولماذا تم الخصم واين تذهب الاموال المستقطعة. هذه ابسط قواعد الادارة والشفافية وحماية حقوق الناس.
لقد تعب المواطن من الغلاء وتعب من الازمات وتعب من الانتظار وتعب اكثر من الرواتب المبتورة. لذلك فان السؤال سيظل قائما حتى تتضح الحقيقة: اذا كان راتب الشهرين 120 الف ريال فلماذا يصل الى بعض اصحابه 30 الفا فقط؟ واين ذهبت بقية المستحقات؟
غلاء ينهش المواطن وازمات تثقل كاهله ورواتب تصل مبتورة فالى متى يستمر هذا الوجع؟