في كل معركةٍ تُحسم، لا تستعيد القوات المسلحة موقعاً جغرافياً فحسب، بل تستعيد معه جزءاً من قدرة الدولة على بسط سلطتها وحماية مواطنيها. ومن هنا، تكتسب الانتصارات الميدانية الأخيرة في تعز والساحل الغربي والجوف والبيضاء أهمية تتجاوز حدود الميدان، باعتبارها خطواتٍ على طريق استعادة الدولة ومؤسساتها وإنهاء الانقلاب الحوثي.
ففي الحديدة، شكّل استكمال السيطرة على مديرية حيس والتقدم باتجاه الجراحي تطوراً مهماً في مسار العمليات بالساحل الغربي. وفي تعز، استعادت القوات المسلحة مواقع وتلالاً ذات أهمية عسكرية في الكدحة وحيفان، بما يعزز مواقعها ويدعم قدرتها على تأمين الطرق والمحاور الحيوية.
لكن البعد الأهم سياسي؛ فكل تقدم للقوات المسلحة يقلص المساحة التي تستطيع مليشيا الحوثي من خلالها فرض واقعها بقوة السلاح، ويعزز حضور الدولة وقدرتها على استعادة زمام المبادرة.
وهنا تتضح طبيعة المعركة؛ فهي ليست صراعاً على مواقع فحسب، وإنما مواجهة حول مستقبل اليمن وشكل الدولة، بين مشروع يستند إلى المؤسسات والجيش الوطني والقانون، ومشروع يفرض سلطته خارج مؤسسات الدولة.
غير أن الانتصار لا يكتمل بتحرير الأرض وحده، بل بتثبيت المواقع، وتأمين المناطق، وحماية المدنيين، وتهيئة الظروف لعودة مؤسسات الدولة. فهذه الإجراءات هي التي تحول المكسب العسكري إلى استقرار، وتمنح التقدم الميداني مضمونه الوطني.
لقد أثبتت التطورات الأخيرة أن المعادلات ليست ثابتة، وأن الجمود لا يعني استحالة التغيير. وما يتحقق اليوم في الجبهات يمكن أن يؤسس لمرحلة جديدة، إذا ما تزامن التقدم العسكري مع توحيد الجهود، وتعزيز مؤسسات الدولة، والحفاظ على المكاسب.
فكل موقعٍ مستعاد ليس مجرد انتصارٍ عسكري.. بل مساحةٌ تستعيد فيها الدولة حضورها، وخطوةٌ تقرّب اليمن من استعادة قراره ومؤسساته وسيادته.
الميدان يستعيد الأرض.. والدولة تستعيد حضورها.. ومع تراكم الانتصارات، يقترب الهدف الأكبر: استعادة الدولة وبناء يمنٍ موحدٍ تحت سلطة مؤسساته.