آخر تحديث :الإثنين-07 سبتمبر 2026-01:22م

عبد الرحمن بن ملجم.. حين ارتدى الانحراف ثوب العبادة.!!

الإثنين - 07 سبتمبر 2026 - الساعة 09:01 ص
منصور بلعيدي


ليس أخطر على الإنسان من أن يخطئ في الدين وهو يظن أنه يحسن صنعًا.

فالتاريخ الإسلامي لا يخبرنا أن الفتنة كانت دائمًا تأتي في صورة رجل فاجر أو عدوٍّ صريح للدين؛ بل إن بعض أخطر وجوهها ظهرت أحيانًا في صورة عابدٍ وقارئ قرآن، كثير الصلاة، شديد التمسك بما يراه حقًا.

ولعل قصة عبد الرحمن بن ملجم المرادي واحدة من أكثر القصص التاريخية قسوة وإثارة للتأمل؛ رجل عُرف بالقراءة والفقه والعبادة، ثم انتهى به المسار إلى أن يرفع سيفه على رأس علي بن أبي طالب رضي الله عنه، رابع الخلفاء الراشدين، وابن عم رسول الله ﷺ وصهره.


إنها قصة لا تتحدث عن سقوط رجل فحسب، بل عن اللحظة التي يتحول فيها التدين، إذا انفصل عن العلم والبصيرة، إلى وقود للفتنة.


من قارئ القرآن إلى قاتل الخليفة


قد يبدو للوهلة الأولى أن ابن ملجم كان رجلًا بعيدًا عن الدين منذ البداية، لكن المصادر التاريخية ترسم صورة أكثر تعقيدًا بكثير.


يقول الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء، ناقلًا عن ابن يونس في تاريخ مصر:


««وكان ممن قرأ القرآن والفقه... قرأ القرآن على معاذ بن جبل، وكان من العباد».»


ثم يذكر الذهبي:

«وقيل: إن عمر كتب إلى عمرو بن العاص: أن قرب دار عبد الرحمن بن ملجم من المسجد؛ ليعلم الناس القرآن والفقه».»


ويضيف أن ابن ملجم كان بعد ذلك من شيعة علي بالكوفة، وسار إليه وشهد معه صفين.


وهنا تكمن المفارقة الصادمة:

الرجل الذي كان يعلّم القرآن والفقه، صار بعد سنوات يحمل السيف لقتل الخليفة الذي كان يقاتل في صفه!


وهذه المفارقة وحدها تكفي لتجعل قصة ابن ملجم أبعد من مجرد حادثة تاريخية؛ إنها سؤال مفتوح عن الفرق بين امتلاك النص وفهم النص، وبين العبادة التي تهذب الإنسان، والتدين الذي قد يتحول إلى أداة للتعصب إذا غابت عنه البصيرة.

بعد أحداث صفين والنهروان، اشتد الانقسام، وخرجت طائفة الخوارج برؤية متطرفة جعلت خصومها في دائرة الاتهام الديني.. وهنا بدأ الانقلاب الحقيقي في عقل ابن ملجم.


لم يعد السؤال عنده: هل قتل علي جريمة؟

بل أصبح السؤال: هل قتل علي قربة؟

وهذه هي أخطر نقطة في مسار التطرف؛ حين لا يعود صاحب الفكرة المنحرفة يرى نفسه مجرمًا، بل يرى نفسه مصلحًا ومجاهدًا ومنفذًا لإرادة الله.


وقد نقل الطبري في أحداث سنة أربعين للهجرة قصة اجتماع ثلاثة من الخوارج وتعاهدهم على قتل علي ومعاوية وعمرو بن العاص، وكان نصيب ابن ملجم عليًا.


وتنقل الرواية عنه قوله:

«أنا أكفيكم عليًّا».»

ثم توجه إلى الكوفة لتنفيذ ما عاهد عليه.


أخطر ما في القصة: أنهم كانوا يظنون أنهم يفعلون خيرًا


تكشف الروايات عن شيء بالغ الخطورة في طريقة تفكير ابن ملجم ومن شاركه؛ فقد كان القتل عندهم يُقدَّم باعتباره طريقًا إلى الخلاص.


وفي رواية أوردها ابن كثير في البداية والنهاية، لما عرض ابن ملجم على شبيب بن بجرة فكرة قتل علي، تردد شبيب وقال له:

«ويحك لو غير علي كان أهون علي، قد عرفت سابقته في الإسلام وقرابته من رسول الله ﷺ، فما أجدني أنشرح صدرًا لقتله».»

لكن ابن ملجم لم يناقشه بمنطق العلم والعدل، وإنما أعاد إنتاج خطاب الخوارج:

«أما تعلم أنه قتل أهل النهروان؟»»


ثم جاء التبرير الحاسم:

«فنقتله بمن قتل من إخواننا».»


فأجابه شبيب بعد ذلك.

هنا تتجلى الكارثة كاملة:


واقعة سياسية وعسكرية تحولت في ذهن المتطرف إلى مبرر ديني لإهدار الدم.


وهكذا يستطيع الخطاب المتعصب أن يقلب الموازين؛ فيصبح القتل ثأرًا، والثأر عبادة، والخصم عدوًا لله، والقاتل بطلًا في نظر جماعته.


في ليلة السابع عشر من رمضان سنة أربعين للهجرة، كان ابن ملجم ورفيقاه ينتظرون خروج علي رضي الله عنه.


وتذكر الروايات أن ابن ملجم وشبيب جلسا عند السدة التي كان يخرج منها علي إلى الصلاة.

ثم خرج علي رضي الله عنه ينادي الناس:

«الصلاة، الصلاة».


فثار إليه شبيب بالسيف، ثم ضربه ابن ملجم بالسيف على رأسه.


ويصف ابن كثير المشهد في البداية والنهاية، ناقلًا الرواية التاريخية:

«فضربه ابن ملجم بالسيف على قرنه، فسال دمه على لحيته».»


والأكثر دلالة أن الرواية تذكر أن ابن ملجم، بعد أن ضرب عليًا، قال:

«لا حكم إلا لله، ليس لك يا علي ولا لأصحابك».»

ثم جعل يتلو قوله تعالى:

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾.


وهنا يبلغ الانحراف ذروته: آية من القرآن تُستدعى لتبرير قتل رجل مسلم!


المشكلة إذن لم تكن في القرآن، وإنما في العقل الذي حمل القرآن إلى غير موضعه.


ومن أقوى ما يمكن الوقوف عنده في هذه القصة ما كتبه الذهبي نفسه في ترجمة ابن ملجم.

فبعد أن نقل أنه كان قارئًا وفقيهًا وعابدًا، قال عنه:

«خارجي مفتر».»


ثم، بعد أن ذكر كيف صار ابن ملجم من الخوارج وكيف انتهى إلى قتل علي، علّق الذهبي بكلمات شديدة الدلالة، إذ ذكر أن ابن ملجم عُدَّ عند الخوارج من أفضل الأمة، ثم قال:


«فاعجبوا يا مسلمون لهذا الجنون».»


ثم نقل شعر عمران بن حطان الخارجي في مدح ابن ملجم وضربته لعلي، وهي من أكثر الشواهد صدمة في القصة؛ لأن القاتل لم يكن وحده في تفسير جريمته، بل وجد بيئة فكرية تمجّد الجريمة وتحوّل صاحبها إلى بطل.(تماما كما تفعل اليوم بعض الحركات الاسلامية)


وهنا لا تعود القضية قضية رجل واحد ، بل تصبح قضية فكرة قادرة على إعادة تسمية الأشياء.. فيصبح القاتل بطلاً في نظر جماعته.


فالإنسان الذي يقتل وهو يعلم أنه يرتكب جريمة يمكن ردعه بالخوف من العقوبة.


أما الذي يقتل وهو يعتقد أنه يقوم بعمل صالح، فالمشكلة أعمق بكثير.


لقد تمكن التطرف من إقناع ابن ملجم بأن قتل علي ليس جريمة، بل وسيلة للتقرب إلى الله.

ولهذا فإن مواجهة التطرف لا تبدأ فقط بمحاربة السلاح، وإنما تبدأ قبل ذلك بكثير:

بمحاربة الفكرة التي تجعل السلاح عبادة.


والنبي ﷺ أخبر عن قاتل علي


وردت أحاديث في هذا الباب، منها حديث:


««أشقى الأولين عاقر الناقة، وأشقى الآخرين الذي يطعنك يا علي».»


وقد صحح الشيخ الألباني الحديث بمجموع طرقه في السلسلة الصحيحة رقم 1088، مع تخريجه من الطبقات الكبرى لابن سعد.


وهنا ينبغي التفريق علميًا بين ثبوت أصل الحديث وبين اختلاف أهل الحديث في بعض طرقه وألفاظه؛ فالحديث له طرق متعددة، وقد حكم بعض المحدثين على بعض أسانيده بالضعف، بينما صححه الألباني بمجموع طرقه.


لماذا نعود اليوم إلى رجل عاش قبل أكثر من ثلاثة عشر قرنًا؟


لأن المشكلة التي تكشفها قصته لم تنتهِ بمقتله.

فالفكر المتطرف قادر في كل عصر على إعادة إنتاج النموذج نفسه:

شخص يقرأ النص، لكنه يقرأه بمعزل عن مقاصده.

يتدين، لكنه يفقد الرحمة.

يكثر من الحديث عن الحق، لكنه يفقد العدل.

يخاصم، ثم يكفّر.

يكفّر، ثم يستبيح.

ثم يصل في النهاية إلى مرحلة يصبح فيها قتل الإنسان المخالف عملًا دينيًا في نظره.

وهنا تكمن الكارثة..


إن قصة ابن ملجم تهدم وهمًا خطيرًا: أن كثرة العبادة وحدها دليل على سلامة الإنسان.


قد يطيل المرء الصلاة، ويحفظ القرآن، ويكثر من الصيام، ويتحدث باسم الدين، ثم يضل الطريق إذا فقد العلم والبصيرة والعدل وحسن فهم النصوص.


فالعبادة الحقيقية لا تزيد الإنسان قسوة على الناس، وإنما تزيده خوفًا من ظلمهم.


ولا تجعله أسرع إلى الدم، وإنما أسرع إلى الرحمة.


ولا تمنحه شعورًا بأنه فوق الآخرين، وإنما تزيده تواضعًا.


ولهذا فإن معيار التدين لا يظهر في المسجد فقط؛ بل يظهر أيضًا عندما يختلف الإنسان مع خصمه.

كيف يتصرف عندما يغضب؟

كيف يحكم عندما يختلف؟

هل يعدل مع من يكره؟

هل يحفظ دم من يخالفه؟

هل يستطيع أن يقول: «ربما أكون مخطئًا»؟


أم أنه يعتقد أن الله وضع الحق كله في جيبه، وأن مخالفيه لا يستحقون إلا الإقصاء والعقوبة؟


*من ابن ملجم إلى عصرنا..* الفكرة نفسها بأقنعة مختلفة

ليس المقصود من استحضار قصة ابن ملجم اتهام كل متدين بالتطرف، ولا اختزال التدين في نموذج واحد.. بل العكس تمامًا.

المقصود أن ندرك أن التطرف لا يبدأ بالسيف.. بل يبدأ بفكرة.

ثم يتحول إلى يقين مطلق.

ثم إلى احتقار للمخالف.

ثم إلى استباحة له.

ثم يصبح العنف، في النهاية، نتيجة طبيعية لذلك المسار.


ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن تفعله الجماعات المتطرفة هو أن تقنع أتباعها بأنهم وحدهم أصحاب الحقيقة، وأن مخالفيهم أعداء للدين.

عندها يصبح الحوار خيانة، والتسامح ضعفًا، والاختلاف كفرًا، والقتل بطولة.


وهذا بالضبط ما يجعل قصة ابن ملجم حاضرة في الذاكرة الإسلامية حتى اليوم.


وحين يرتدي الباطل ثوب الدين

يصبح الشخص ابن ملجم عصره.

عبد الرحمن بن ملجم لم يدخل التاريخ لأنه كان أكثر الناس فسقًا، بل لأن قصته تكشف شيئًا أكثر رعبًا:

أن الإنسان قد يملك العبادة، ويفقد البصيرة.

وقد يملك النص، ويفقد الفهم.

وقد يظن أنه يدافع عن الدين، بينما هو في الحقيقة يدافع عن تفسيره المنحرف للدين.

وقد يحمل القرآن في صدره، ثم يحمل السيف على رأس مسلم.


ولهذا فإن أخطر الانحرافات ليست تلك التي تأتيك في صورة معصية واضحة، بل تلك التي تأتيك مرتديةً ثوب القداسة.


لقد بدأ ابن ملجم قارئًا للقرآن، وذاكرًا للفقه، ومن أهل العبادة، ثم انتهى قاتلًا لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه.


وبين البداية والنهاية ضاعت البوصلة.

فليست النجاة بكثرة العبادة وحدها، وإنما بعبادةٍ يضبطها العلم، ويهذبها العقل، وتحرسها البصيرة، ويثمرها العدل والرحمة وحفظ الدماء.


وهذه ربما تكون أقسى رسالة تركها ابن ملجم وراءه:


ليس كل من حمل كتاب الله أحسن فهمه، وليس كل من أكثر العبادة نجا من الفتنة، وأخطر الباطل هو ذلك الذي ينجح في إقناع صاحبه بأنه حق..