آخر تحديث :الأحد-06 سبتمبر 2026-01:32م

أبعاد التحركات الحوثية في تعز: بين السيطرة الميدانية والأجندة الإقليمية

الأحد - 06 سبتمبر 2026 - الساعة 12:47 م
بليغ الصبري


مع تطورات المشهد العسكري في اليمن، تبرز جبهة تعز والساحل الغربي كواحدة من أكثر ساحات الصراع ارتباطاً بالمعادلات الإقليمية. إذ تتكشف تدريجياً مساعي جماعة الحوثي لربط أهدافها الميدانية بالصراع الأوسع، في محاولة لفرض واقع عسكري جديد يخدم مصالحها ومصالح حليفتها الإقليمية.


يخوض الحوثيون منذ مطلع يوليو من العام الجاري تصعيداً مستمراً ضد المملكة العربية السعودية والدول المناوئة لطهران، باعتبارهم جزءاً أساسياً من النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط ضمن ما يُعرف بـ"محور المقاومة" (وحدة الساحات). ويتضح هذا الدور من خلال الاقتصار الإيراني على ضربات محدودة خارج العمق السعودي، بينما تلعب جماعة الحوثي دور الذراع الطولى لأجندة طهران في المنطقة. ويظهر ذلك جلياً في العمليات العسكرية في البحر الأحمر، واستهداف العمق السعودي والمطارات والمنشآت الحيوية، فضلاً عن فرض الحصار البحري.



الحوثيون والسيطرة على الممرات الملاحية


يُعد الدور الحوثي مكملاً للاستراتيجية الإيرانية القائمة على توظيف الحصار البحري وضربات الخليج كأوراق ضغط لتحقيق مكاسب سياسية. وفي هذا السياق، تصدرت السيطرة على ممرات الملاحة الدولية رأس هرم أولويات جماعة "أنصار الله"، تلبيةً للحاجتين الإيرانية والحوثية معاً. وتوجّهت الأنظار نحو مدينة المخا وسواحلها التي تضم مضيق باب المندب، باعتباره ممراً حيوياً بديلاً لنقل الطاقة الخليجية المحولة عن مضيق هرمز، وكونه ممراً تجارياً يتحكم بنحو 10-12% من إجمالي التجارة البحرية العالمية.



استراتيجية السيطرة على الجبهة الغربية


تشير مجمل الأحداث والعمليات العسكرية الأخيرة إلى استراتيجية حوثية واضحة تهدف للسيطرة على الجبهة الغربية والساحل الغربي، وفق عدة مراحل رئيسية:


عزل الساحل: بدأ الأمر باستهداف ميناء المخا وإخراجه عن الخدمة، تلا ذلك قطع خدمة الإنترنت عن المدينة تمهيداً لعملية عسكرية برية.


اختراق الخواصر الضعيفة: ركزت الجماعة هجماتها على الخاصرة الأضعف للقوات الحكومية في جبل حبشي ومقبنة والكدحة، بهدف عزل الساحل الغربي عن المدينة والحد من التعاون والإسناد بين الطرفين.


تشتيت القوى الحكومية: نُفذت عمليات في عدة جبهات بهدف استنزاف القوات الحكومية وفرض حصار مطبق يقطع كافة الطرق التي تربط تعز بالمحافظات المحررة


.

الأهداف النهائية للتحركات الحوثية


تسعى الجماعة من خلال هذه العمليات إلى شل قدرة القوى الحكومية في تعز من خلال فصل الساحل الغربي عن المدينة وقطع خطوط الإمداد والتعاون المتبادل، وإحكام الحصار على كلتي القوتين لتصبحا عاجزتين عن القيام بأي عمل عسكري، ولجعل أي تحرك ميداني مكشوفاً أمامها. وفي الوقت ذاته، تهدف إلى تأمين خطوط الإمداد الخلفية وخلق عمق استراتيجي يجعل السيطرة على الساحل الغربي في المتناول.

ويُعد هذا التحرك تجسيداً لطموح استراتيجي تسعى طهران والحوثيون من خلاله لترسيخ مكانة الجماعة كقوة إقليمية تتحكم بحركة الملاحة البحرية، مما يمنحها ورقة ضغط قوية تمكنها من رفع سقف مطالبها في أي مفاوضات إقليمية مقبلة. كما يشكل مكسباً سياسياً يعزز موقف طهران في صراعها الدولي مع الولايات المتحدة وحلفائها.



تعارض الطموحات الدولية يصب لعناته على اليمنيين


قوبل هذا الطموح الحوثي الإيراني برفض حكومي سعودي،باعتباره مهدداً للمصالح الإقليمية والدولية ومتعارضاً مع المصالح السعودية، ليخلق هذا الرفض و التعارض لعنة من لعنات الصراع حلّت على الإنسان اليمني، مخلّفةً وراءها كارثة إنسانية بلغ عدد ضحاياها 129 جندياً من الطرفين بينهم مدني واحد، وتسببت في خلق موجات نزوح جديدة بلغ عدد الأسر النازحة فيها 1,790 أسرة، وفقاً لأحدث تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) والوحدة التنفيذية لمخيمات النازحين.


وفي الختام، لا يمثل الصراع القائم في تعز والساحل الغربي سوى نموذج صارخ لصراعات المصالح الإقليمية والدولية في اليمن، والتي تُخاض بأطراف وأدوات محلية، ليدفع الشعب اليمني وحدَه أثمانها الباهظة.