في تاريخ العرب والسيرة النبوية، تتجلى مواقف إنسانية ومبادئ مروءة تجاوزت حدود العقيدة والانتماء، لترسخ مفهوم "الوفاء بالمعروف" بأبهى صوره. ومن أسطع هذه الصور، حكاية المطعم بن عدي بن نوفل، الرجل الذي مات على الشرك، لكنه حفر اسمه في وجدان التاريخ الإسلامي بمواقفه الشجاعة ونخوته التي لا تُنسى مع النبي محمد - صلى الله عليه وسلم.
لم تكن قسوة قريش لتثني أصحاب المروءات عن نصرة المظلوم.
فخلال السنوات الثلاث العجاف التي فرضت فيها قريش حصارها الجائر على بني هاشم في "شِعب أبي طالب"، حتى أكل المحاصرون أوراق الشجر وسمع أهل مكة بكاء الأطفال من شدة الجوع، تحركت النخوة في نفوس رجال يرفضون الظلم.
بدأت الشرارة بهشام بن عمرو، الذي سعى بين رجال قريش لحشد حلفٍ ينهي هذه الصحيفة الظالمة.
فضم إليه زهير بن أبي أمية، والمطعم بن عدي، والبحتري بن هشام، وزمعة بن الأسود.
وفي اليوم التالي، وأمام الكعبة وبحضور أبي جهل، وقف هؤلاء الرجال كالجسد الواحد؛ نادى زهير في الناس رافضاً أن ينعم بالنعيم وإخوانه يتضورون جوعاً، فتتابعت شهادات المطعم ورفاقه وسط ذهول أبي جهل الذي هتف حانقاً: "هذا أمرٌ دُبِّر بليل!".
وبشجاعة هذا الخماسي، شُقّت الصحيفة وإنتهي الحصار.
تكرر الموقف في لحظة فارقة أخرى من السيرة النبوية فعندما عاد النبي - صلى الله عليه وسلم - من الطائف مكسور الخاطر بعد أن ردّه أهلها وأغروا به سفهاءهم، كانت مكة تتربص به، ودخولها بلا حماية يُعرض حياته لخطر محقق.
في تلك الساعات الحرجة، أرسل الرسول إلى المطعم بن عدي يطلب جواره.
ولم يتردد المطعم؛ إذ شمر عن ساعد النخوة العربية، ودعا بنيه وقومه فلبسوا السلاح وقاموا عند أركان البيت، وأعلن في الملأ: "إني قد أجرت محمداً".
وكانت حماية في أشد اللحظات حرجاً.
وحين سأله أبو جهل مستنكراً: "أمُجير أم تابع؟"، رد المطعم بثبات: "بل مُجير". فقال أبو جهل: "قد أجرنا من أجرت".وطاف النبي بالبيت آمناً تحت حراسة المطعم وأبنائه.
مرت الأيام، ومات المطعم بن عدي على شركه قبل غزوة بدر. لكن النبي - صلى الله عليه وسلم -، الذي علّم البشرية أسمى معاني الوفاء، لم ينسَ قط تلك اليد التي امتدت له في أحلك الظروف.
فعقب انتصار المسلمين في بدر وأسر عشرات من صناديد قريش، نظر النبي إلى الأسرى وتذكر المطعم، فقال كلمته الخالدة التي سجلها التاريخ: "لو كان المطعمُ بن عدي حيّاً، ثم كلمني في هؤلاء النَّتْنَى لتركتُهم له"؛ اعترافاً بجميله وترسيخاً لمبدأ أن المعروف لا يضيع عند أصحاب النفوس العظيمة.
انه الوفاء الخالد.
ولم يقتصر الثناء على النبي وحده، بل خُلِّد ذكر المطعم في الشعر العربي، حيث رثاه شاعر الرسول حسان بن ثابت بأبيات تنبض بالعرفان، جاء فيها:
*أَيَا عَيْنُ فَابْكِي سَيِّدَ القَوْمِ وَاسْفَحِي ... وَإِنْ أَنْزَفَتْ فَاسْكُبِي الدَّمَا.*
*فَلَوْ كَانَ مَجْدٌ يُخْلِدُ الدَّهْرَ وَاحِداً ... مِنَ النَّاسِ أَبْقَى مَجْدُهُ اليَوْمَ مُطْعِمَا*
*أَجَرْتَ رَسُولَ اللَّهِ مِنْهُمْ* *فَأَصْبَحُوا ... عَبِيدَكَ مَا لَبَّى مُهِلٌّ وَأَحْرَمَا*
تظل قصة المطعم بن عدي شاهداً حياً على أن مكارم الأخلاق والنخوة قيمٌ إنسانية جامعة، وأن الإسلام جاء ليتمم مكارم الأخلاق، مُجلّلاً بالوفاء النبوي الذي لم يستكثر كلمة شكر على رجل أجار ونصر، حتى وإن مات على غير دينه.