آخر تحديث :الثلاثاء-08 سبتمبر 2026-01:37م

الميكافيلية: عندما تصبح المصلحة دينا والغاية صنما

الثلاثاء - 01 سبتمبر 2026 - الساعة 11:17 ص
أحمد سعيد العمودي


في زحمة الحياة اليومية نسمع كلمة "فلان مكيافيلي" توصف بها تصرفات كثيرين. لكن قليلين من يدركون أن خلف هذه الكلمة فلسفة كاملة ولدت في شوارع فلورنسا قبل أكثر من خمسمائة عام، ثم هاجرت بهدوء من قصور الحكام إلى مكاتبنا وبيوتنا وعلاقاتنا.


القصة بدأت مع نيقولا ميكيافيلي الرجل الذي عاش بين عامي 1469 و 1527م وشهد إيطاليا ممزقة بين دويلات تتصارع. كتب كتابه الأمير وهو يراقب كيف يسقط الصادقون ويصعد المراوغون. لم يكن يكتب وعظا، كان يكتب تشريحا. قال ببساطة إن السياسة لعبة مختلفة، وأن على الحاكم الناجح أن يفصل بين أخلاقه الشخصية وبين ضرورات الحكم. إذا احتاج للكذب كذب، وإذا احتاج للغدر غدر، وإذا احتاج للتضحية بأفراد ضحى. واختصر كل ذلك في جملة صارت شعارا لعصور تلته: الغاية تبرر الوسيلة.


مع مرور الزمن لم تبق هذه الفكرة حبيسة الكتب السياسية. تسللت إلى النفس البشرية. وفي منتصف القرن العشرين وضعها علماء النفس ضمن ما سموه الثالوث المظلم للشخصية إلى جانب النرجسية والسيكوباتية. صارت الميكافيلية وصفا لنمط تفكير بارد يحسب كل شيء بالربح والخسارة، يخفي النوايا الحقيقية، ويتلاعب بالناس كقطع شطرنج، ويقدم المنفعة على أي قيمة.


الشخص الميكافيلي ليس بالضرورة مجرما ولا مريضا نفسيا. هو في الغالب إنسان ذكي جدا في قراءة الوجوه. يعرف ماذا تقول ليكسبك، ومتى يبتسم ليكسب ثقتك، ومتى يظهر التدين أو الثقافة أو المسؤولية كقناع. هو بارع في استغلال الطيبين لأنهم الأسهل في التوجيه. يكذب عند الحاجة ويسمي ذلك ذكاء اجتماعيا. يظهر المحبة ويخفي الكراهية حتى يضمن ولاءك. يستخدم المبادئ كديكور جميل للوصول إلى هدفه. وعند أول اختبار حقي يضحي بمن حوله بلا تردد، ويقلب الحقائق لخدمة روايته، ويرمي اللوم على الجميع، ويتلون حسب اتجاه الريح. وفاؤه مشروط، وذاكرته للجميل قصيرة جدا تنتهي بانتهاء حاجته.


هنا يصطدم هذا النمط اصطداما مباشرا مع روح الإسلام. فالإسلام لا يفصل بين الوسيلة والغاية. لا يمكن أن تصل إلى رضا الله بمعصيته، ولا أن تبني مجتمعا عادلا بالظلم. جاء الأمر واضحا: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين. وحذر الخالق من الخيانة فقال إن الله لا يحب الخائنين. ونهى عن بخس الناس حقوقهم. وأوجب العدل حتى مع من نكرههم فقال ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى.


والنبي صلى الله عليه وسلم رسم لنا الصورة المقابلة تماما. قال آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان. وقال من غشنا فليس منا. ورفع التاجر الصدوق الأمين إلى مقام عال فجعله مع النبيين والصديقين والشهداء. فالميزان في الإسلام مختلف. النجاح يقاس بالأمانة لا بالدهاء، وبالوفاء لا بالتلون، وبالعدل لا باستغلال ضعف الآخرين.


أثر هذا الفكر الميكافيلي لا يظهر فقط في السياسة. يبدأ في البيت الصغير. حين يشك الزوج أن زوجته تمثل عليه، وحين يظن الأبناء أن الآباء يخفون شيئا، تموت الثقة. وفي الصداقة تتحول العلاقة إلى سوق منافع، فإذا انتهت المنفعة انتهت العلاقة. وفي العمل تنتشر ثقافة الطعن في الظهر والتسلق على الأكتاف، ويحل الخوف محل التعاون. وفي المؤسسات الكبرى تضيع الحقوق لأن القرار لم يعد يخدم مبدأ بل يخدم شخصا. والنتيجة واحدة في كل مكان: مجتمع بلا ثقة هو مجتمع ينهار من الداخل حتى لو كانت واجهته لامعة.


يبقى السؤال الكبير: هل الغاية تبرر الوسيلة؟ الميكافيلي يقول نعم بلا تردد. أما العقل والأخلاق والدين فيقولون لا. لأن الوسيلة الفاسدة تلوث الغاية. انتصار مبني على كذب سيعقبه سقوط أكبر. مال جاء بخداع سيتبعه خراب سمعة. منصب ناله الإنسان بالمكر سيسقطه المكر نفسه. قد ينجح صاحب المكر فترة ويحقق مكاسب عاجلة، لكنه لا يبني مجدا ولا يترك ذكرا حسنا.


الفرق بين الذكاء الميكافيلي والذكاء الحقي واسع. الأول يركض خلف أن يخدع ويكسب معركة ويستغل فرصة. الثاني يسعى أن يكسب رضا الله ويحفظ كرامته ويبني ثقة الناس به. الذكاء بلا أخلاق أداة ظلم. والذكاء مع التقوى نعمة.


انظر حولك اليوم. كم من شخص يتحدث عن المبادئ ثم يبيعها عند أول عرض. كم من مسؤول يعد بالوفاء ثم يتخلى عند أول مكسب. كم من تاجر يغير مواقفه حسب المنفعة. كم من إنسان يناصر الحق إذا وافق هواه، فإذا خالفه سكت أو برر الباطل. هذه المشاهد المتكررة هي التي تربي الأجيال الجديدة على درس خطير: أن المبادئ كلام وأن الواقع شيء آخر.


كيف نحمي أنفسنا من هذا الانزلاق؟ الطريق يبدأ من الداخل. أن نجعل رضا الله فوق رضا الناس وفوق أي مصلحة عابرة. أن نثبت على المبدأ حتى لو خسرنا دنيويا، لأن الخسارة المؤقتة أهون من خسارة النفس. أن نلتزم الصدق في الصغير قبل الكبير. أن لا نستغل حاجة أحد ولا ضعفه. أن نفي بالوعد مهما كلف. وأن نراقب الله في السر قبل العلن، فالخلوة هي الاختبار الذي لا يكذب.


الميكافيلية نجحت في إقناع أجيال أن العالم غابة والبقاء للأدهى. لكن التاريخ والإنسان والدين يقولون غير ذلك. المصالح تزول، والمناصب تنتهي، والأموال تفنى، ويبقى العمل الصالح والذكر الحسن. والعاقبة للمتقين دائما.


نسأل الله أن يرزقنا الصدق والإخلاص، وأن يطهر قلوبنا من الخداع والرياء وحب المصالح على حساب المبادئ، وأن يجعلنا من أهل الأمانة والوفاء، إنه سميع مجيب.

بقلم ✍🏻 : الشيخ أحمد سعيد أحمد عمر العمودي

باحث أكاديمي ومُفكر يمني معاصر

من كتاب الميكافيلية من نشأتها إلى تجلياتها في الواقع الإنساني المعاصر

قراءة في الفكر والأخلاق والدين

تأليف كاتب هذا المقال