كان ولا يزال الوطن اليمني يحظى بأهمية جيوستراتيجية بالغة، كونه يمثل حلقة الوصل التي تربط بين قارتين (أوروبا وآسيا) وبحرين (الأحمر والعربي). وهذا ما جعله عنصراً هاماً في مسار التجارة العالمية قديماً وحديثاً، كونه يمتلك شرياناً مائياً يتحكم في حركة التجارة البحرية العالمية، ويمثل نقطة هامة من نقاط طريق الحرير. أما أهميته البرية، فتمثلت قديماً كونه منطلقاً تجارياً للعديد من السلع والمنتجات الهامة -كالمر واللبان والبخور- يربطه بالممالك الكبرى كمصر والشام وبلاد ما بين النهرين، إضافة إلى أهميته الديموغرافية كمخزن للثروات. وهذا ما جعله محط أنظار القوى الاستعمارية التي تستغل الفراغ الذي يتركه ضعف السلطة أو غيابها لتثبيت نفوذها الاستعمارية.
ولكن، كيف حولت العوامل الجيوسياسية وعوامل أخرى هذا الوطن إلى سلعة تجارية؟
إن العوامل الجيوسياسية للدول تلعب دوراً هاماً في تحديد قوتها وضعفها وتقدمها وتخلفها؛ فالموقع الجغرافي والثروات الطبيعية في اليمن تعد من أبرز العوامل التي تساهم في خلق دولة قوية إذا تم استغلالها لتحقيق ذلك، وإذا ما امتلك اليمنيون سيادتهم المطلقة على هذه الأرض، وارتبطت علاقاتهم الداخلية والخارجية بصلات تخدم المصلحة الوطنية العليا. لكنها لسوء الحظ أضحت كل هذه الميزات لعنة على هذا البلد وأبنائه نتيجة لحالة الضعف والانقسام الناتج عن الصراعات المحلية، لتجعل من هذه الأرض مجرد سلعة ثمينة تثير الأطماع لتغدو أرضها ساحة صراع.
المرحلة الأولى للتجارة
فعلى مدى سنوات طوال، لم تشهد اليمن استقراراً سياسياً نتيجة لطبيعة المجتمع اليمني الذي تشكل القبيلة نواته الأساسية التي تظل باقية في ظل كل التغيرات التي تسود المجتمع اليمني، الذي تقوم فيه دولة وتنهار أخرى، فتظل القبيلة قائمة ليتأتى منها الزعماء الذين يقيمون هذه الدول، فيسعون جاهدين لإرضاء هذه الوحدات الاجتماعية، والتي قد تسخرها دول أجنبية (دول الجوار) في سبيل تحقيق مصالحها الخاصة، وتتخذها كوسيلة ضغط على الحاكم تدفعه بها إلى تقديم بعض التنازلات في بعض القضايا الجوهرية، كقضايا ترسيم الحدود والتنازل عن بعض الأراضي المختلف عليها. وقد تسعى دول أخرى لاستغلال هذه الجماعات أو قوى أخرى معارضة كورقة ضغط على الدولة لتحقيق مكاسب اقتصادية تتمثل في إبرام اتفاقيات استثمار للثروات المحلية مقابل مبالغ زهيدة، وهذا ما جسدته اتفاقية تأجير ميناء عدن في العام 2008
كل هذه العوامل -يعتليها عامل هو الأكثر أهمية، وهو نزوة التملك والاستفراد بالسلطة باعتبارها مصدراً للثراء- جعلت من الوطن سلعة متعددة الوجوه (الموانئ، حقول النفط، الآثار، إلخ) يتاجر بها فئة محددة من التجار (رئيس الدولة، ورؤساء المجالس، والأعضاء، والمحافظون، ووكلائهم، وغيرهم)، لتمثل هذه الصورة الأولى للوطن كسلعة.
ازدهار التجارة وظهور مفاهيم جديدة
إن تغليب المصالح الخاصة والاتجار بالمصالح العامة من قبل فئات معينة ولد سخطاً شعبياً خلف انقسامات وضعفاً في الدولة ومؤسساتها بعد إقالة النظام الحاكم، وجعل الفرصة سانحة أمام بعض الدول للتدخل في الشأن اليمني مسخرة وكلاء محليين لتحقيق مصالحها الخاصة. لتمثل هذه الفترة بداية مرحلة جديدة من التجارة الوطنية اتسمت بظهور مفهوم تجاري جديد (التجارة بالوكالة)، تحول خلالها الوطن من سلعة تختص بها فئة معينة من التجار إلى سلعة متعددة الأوجه (جزر، موانئ، حقول نفط، سواحل، آثار، ثروات، سلاح، ممنوعات، إلخ) يتاجر بها كل من يملك نفوذاً سياسياً أو عسكرياً أو اجتماعياً أو طائفياً.
غياب الدولة واتساع الدائرة التجارية
عندما يتحول المسؤول إلى عميل، والقائد إلى مرتزق، يفقد القانون سيادته، والدولة نظامها، وتختل مؤسساتها، وتنعدم إيراداتها أو تنحصر عائداتها، فيحرم الموظف من مستحقاته ليصبح هو الآخر تاجراً يشري (أو يبيع) ضميره، والخدمات كـ(التعليم، والصحة، والكهرباء، إلخ) بثمن بخس.
من هو الضحية؟
ويبقى المواطن البسيط هو الضحية الوحيدة التي تدفع أبهض الأثمان؛ إلا أن هذا لا يمنعه من إتباع نهج مُثلِه العليا( القيادات )والإقتداء بها في الاتجار بما تبقى من فتات الوطن، فتراه يتاجر بالقضايا والشعارات والاحتشاد والجمهرات، وبرز ذلك جلياً في الأعياد والمناسبات.