يبدو أن بعض الجماعة ما زالوا يعيشون في زمن السياسة ذات الزر الواحد: معنا أو ضدنا. فإذا كان الشخص معهم، أصبح وطنيا، نزيها، حريصا على الجنوب والوطن والمشروع. أما إذا تجرأ وقال «لا» أو اختلف معهم في رأي، فهنا تبدأ ماكينة التصنيف: إخواني، إرهابي، تابع، ومرة يمكن أن يكتشفوا له تهمة جديدة لم تنزل بعد في قاموس التخوين!
والحكاية تزداد طرافة عندما يكون الرجل سنيا، سلفيا، محافظا في دينه وصلاته وعقيدته. هنا تبدأ الحيرة: كيف نلصق به التهمة؟ بسيطة جدا... إذا كان معنا فهو سلفي وطني، وإذا اختلف معنا أصبح إخوانيا!
يا جماعة، هكذا لا تدار السياسة ولا تبنى الأوطان.
ثم ما المشكلة أصلا في كلمة «إخواني» التي جعلتم منها شتيمة سياسية؟ حزب الإصلاح في اليمن حزب سياسي معترف به، وله أعضاء في مجلس القيادة الرئاسي ووزراء ومسؤولون في الدولة، وتتعامل معه مختلف الأطراف. فإذا كان الانتماء إليه جريمة، فكيف يجلس بعضكم مع أعضائه ويتعامل معهم ويختلف معهم في الصباح، ثم يستخدم «الإخوانية» في المساء كسلاح لتخوين كل من لا يعجبه؟
المشكلة ليست في الإخوان ولا في السلفيين ولا في غيرهم؛ المشكلة في عقلية لا تستطيع أن ترى المواطن إلا من خلال موقعه من جماعتها.
وإذا سقطت من أيديكم مديرية أو مؤسسة وجاء شخص جديد لا يدور في فلككم، بدلا من أن تسألوا: ماذا سيقدم؟ وما الذي يستطيع أن ينجزه؟ تفتحون ملف التحقيق العقائدي والسياسي: من يصلي؟ ماذا يقرأ؟ مع من يجلس؟ ومن أي مدرسة فكرية جاء؟
وكأن المطلوب عند استلام أي مسؤول لمهمته أن يقدم مع قرار التكليف صحيفة سوابق سياسية وعقائدية مختومة من جماعتكم!
اتركوا الناس تعمل، ودعوا التنافس يكون في الأداء والنزاهة والإنجاز. فالسياسة ليست ملكية خاصة، والمناصب ليست «عزبة» تنتقل داخل المجموعة نفسها.
وتذكروا أن هناك شيئا اسمه التغيير. ومن لا يفهم هذه القاعدة سيكتشفها بالطريقة الأصعب: اليوم قد يكون التغيير لصالحك، وغدا قد يكون ضدك.
أما الاستمرار في إقصاء الخصوم وتوزيع تهم «الإخوانية» و«الإرهاب» بالجملة، فلن يحمي أحدا، بل سيجعل الناس تكتشف أن المشكلة ليست في الذين يتم تخوينهم، وإنما في العقلية التي لا تستطيع أن تكسب الناس إلا بعد أن تلغي الآخرين.
والأدهى من ذلك أنكم كلما أسأتم إلى خصومكم، منحتموهم مساحة أكبر في عيون الناس، وكلما بالغتم في التخوين، بدا تخوينكم نفسه أكثر إفلاسا.
باختصار: لا تجعلوا السياسة لعبة «معانا أو إخواني».
نافسوا الناس بما تقدمون، لا بما تلصقونه بالآخرين.
فمن يريد أن يكون في الصدارة، عليه أن يجعل الناس تختاره بأدائه وأخلاقه، لا أن يحاول إسقاط الآخرين حتى لا يبقى في الساحة غيره.
لأن السقوط، يا سادة، لا يحتاج دائما إلى خصم قوي...
أحيانا يكفي أن يواصل الإنسان إسقاط نفسه بنفسه.