يُعَدُّ كتاب «التاريخ الكبير» للإمام محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله من أقدم المصنفات وأهمها في علم الرجال وتراجم رواة الحديث، وله أثر بالغ في نشأة علم الجرح والتعديل وتطوره.
وقد جمع فيه البخاري تراجم خلق كثير من الرواة، فذكر أسماءهم وأنسابهم وكُناهم، ونبَّه على شيوخهم الذين رووا عنهم، وتلاميذهم الذين رووا عنهم، وأورد أحيانًا نماذج من مروياتهم، وعُني في مواضع كثيرة بتمييز المتشابهين في الأسماء والأنساب ودفع اللبس بينهم.
ولمكانته العلمية اعتمد العلماء بعد البخاري على «التاريخ الكبير» اعتمادًا واسعًا، ونقلوا عنه وأفادوا من مادته في معرفة أحوال الرواة وتمييز بعضهم من بعض، وكان من أبرز من أفاد منه: ابن أبي حاتم الرازي في كتابه «الجرح والتعديل»، وابن حبان البُستي في كتابه «الثقات»، وغيرهما من أئمة هذا الشأن.
وقد رتَّب البخاري كتابه في الأصل على حروف المعجم باعتبار أسماء الرواة، مع مراعاة اعتبارات أخرى في ترتيب التراجم؛ فاستهلَّ الكتاب بمن اسمه «محمد» تبركًا باسم النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أتبعه ببقية الأسماء على الترتيب الهجائي: إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وأيوب وأشعث وإياس والأسود وأبان وأزهر وأحمد، وهكذا.
وتشتمل ترجمة الراوي فيه غالبًا على العناصر الآتية:
1. اسمه وكنيته ونسبه. 2. ذكر شيوخه الذين روى عنهم. 3. ذكر تلاميذه الذين رووا عنه. 4. إيراد شيء من مروياته من الأحاديث والآثار. 5. إشارات وأقوال يُستدَل بها على حاله جرحًا وتعديلًا. 6. ما يُعين على التفريق بين الرواة الذين تشابهت أسماؤهم أو أنسابهم.
ومع ذلك ينبغي التنبيه إلى أن «التاريخ الكبير» كتاب تراجم ورجال في المقام الأول، وليس كتابًا معقودًا لإطلاق الأحكام التفصيلية على الرواة من نحو: ثقة وضعيف ومتروك، كما هو شأن بعض المصنفات المتأخرة في الجرح والتعديل. ولذا قد يذكر البخاري الراوي دون أن ينص على حكم مباشر فيه، غير أن ما يورده من معلومات عن شيوخه وتلاميذه ومروياته يظل مادة بالغة الأهمية في دراسة الأسانيد ومعرفة أحوال الرواة.
ومن المهم أيضًا التمييز بين كتب البخاري التاريخية الثلاثة: «التاريخ الكبير» و«التاريخ الأوسط» و«التاريخ الصغير»؛ فإنها ليست كتابًا واحدًا اختلفت أحجامه، بل لكلٍّ منها منهجه ومادته وخصائصه التي ينفرد بها.
فأما التاريخ الكبير: فمرتب على حروف المعجم كما تقدم.
وأما التاريخ الأوسط: فمادته مأخوذة من الكبير مع الاختصار، وترتيبه ليس على الحروف، بل على السنين والطبقات والوفيات؛ أي أنه مرتب ترتيبًا زمنيًّا بحسب الوفيات.
تنبيه مهم: الكتاب المطبوع قديمًا باسم «التاريخ الصغير» هو في الحقيقة «التاريخ الأوسط»، وقد نبَّه المحققون على هذا الوهم.
وأما التاريخ الصغير: فمنهجه كمنهج الأوسط، مرتب على السنين، لكنه أصغر منه وأشد اختصارًا؛ يذكر السنة ثم يذكر من مات فيها من الصحابة والتابعين والأئمة.
وجملة القول: إن الكبير موضوع للتحقيق العلمي في حال الراوي، والأوسط والصغير موضوعان لمعرفة تاريخ وفاته وطبقته.