آخر تحديث :السبت-05 سبتمبر 2026-08:39ص

شبوة.. مشروع وطن لا ساحة لتصفية الحسابات

السبت - 29 أغسطس 2026 - الساعة 02:08 م
عمر الحار


رسالة عاجلة لقيادتي الرئاسة والتحالف.

بعد التحية;

اتركوا معالي الشيخ المحافظ، عوض محمد ابن الوزير، يكمل مشروع البناء الحضاري لشبوة، تلك المحافظة التي باتت اليوم واحدة من أكثر النماذج وضوحًا في التحولات التي تشهدها على مختلف الأصعدة، وأفسحوا لمشروعها أن يمضي إلى غاياته بعيدًا عن ضجيج التجاذبات السياسية وحسابات اللحظة.

فالتاريخ لا يُكتب بكثرة الخصومات، وإنما بما يُنجز على الأرض، وما يبقى في حياة الناس من أثرٍ بعد أن تهدأ أصوات السياسة.

وشبوة اليوم ليست مجرد محافظة تتغير ملامحها العمرانية والخدمية والتنموية؛ إنها صورة مصغرة لفكرة اليمن الذي يمكن أن يكون عليه الوطن حين تتقدم إرادة البناء على إرادة الصراع، وحين يصبح الاختلاف السياسي وسيلة لإثراء الحياة العامة لا معولًا لهدم ما يُبنى.

ومن هنا، فإنني أتطلع إلى أن تكون القوى الوطنية، بكل امتدادها الاجتماعي والتاريخي العميق في شبوة، إلى جانب هذا المشروع، لا خصمًا له؛ فهذه القوى ليست طارئة على تاريخ المحافظة، بل هي جزء أصيل من ذاكرتها السياسية والاجتماعية والوطنية، وشريكة في تاريخها ومصيرها.

والغريب أن تنجر بعض هذه القوى خلف مشاريع سياسية نجل تاريخها النضالي والسياسي، ونقدر ما قدمته في مراحل مختلفة من تاريخ اليمن، لكننا في الوقت ذاته نتساءل: ألم يحن الوقت بعد لاستيعاب دروس التجربة اليمنية بكل مرارتها؟ ألم تكن نكبة اليمن الكبير كافية لإعادة النظر في الأدوات التي أوصلت البلاد إلى هذا المصير؟

إن شبوة لا تحتمل أن تتحول إلى نسخة جديدة من صراعات الماضي او الحاضر الممكن استقاء دروسها المباشرة اليوم من عدن او من حضرموت. 

لقد منحت هذه المحافظة، عبر تاريخها، نموذجًا مختلفًا في قدرتها على استيعاب الآخرين. واليوم يكاد المشهد الاجتماعي والاقتصادي فيها يقدم الدليل الأوضح على ذلك؛ فشبوة تحتضن أبناء اليمن من مختلف المحافظات، الذين يمارسون أعمالهم وأنشطتهم التجارية، وتستوعب أعدادًا كبيرة من القوى العاملة التي أصبحت جزءًا أساسيًا من حركة التنمية فيها.

وهؤلاء ليسوا غرباء عن شبوة، بل منها لانهم القوة المحركة لاسواقها ومشاريعها وخدماتها ومهنها المختلفة، ويساهمون بصورة مباشرة وغير مباشرة في دورتها الاقتصادية.

و يمكن ملاحظة تواجد أبناء حجة والحديدة وريمة والمحويت وأبين ولحج وغيرها، من يعتمدون على دخلهم اليومي في أعمال بسيطة، ومنها تأجير الدراجات النارية وغيرها من الأنشطة التي أصبحت جزءًا من المشهد الاقتصادي والاجتماعي لشبوة.

وهنا تتجلى قيمة شبوة الحقيقية: أنها تستطيع أن تكون وطنًا داخل الوطن، ومساحة تتسع للجميع دون أن يفقد أبناؤها خصوصيتهم أو حقهم في قيادة مستقبل محافظتهم.

ولذلك فإن محاولات إضعاف الاستقرار، أو هدم ما تحقق، لا ينبغي النظر إليها باعتبارها خلافًا طارئا مع المحافظ أو مع إدارة محلية؛ فالقضية أكبر من الأشخاص، لأنها تتصل بمصير مشروع تنموي أخذ يتشكل أمام أعين الناس.

وأستغرب، في هذا السياق، من تحامل بعض القوى الوطنية وبعض الهامات الاجتماعية والتاريخية في شبوة على المحافظ، وكأن الخلاف السياسي قد أصبح أقوى من الروابط القبلية والاجتماعية والوطنية والنضالية التي جمعت أبناء المحافظة ورموزها عبر عقود.

إن الاختلاف حق، والنقد حق، والمعارضة حق، والعمل السياسي حق دستوري لا يستطيع أحد مصادرته. لكن هذه الحقوق جميعها تصبح أكثر نبلًا حين تُمارس في خدمة المحافظة، لا على حساب استقرارها، وحين تتحول المنافسة السياسية إلى برامج ومشاريع وأفكار، لا إلى محاولة تعطيل مشروع قائم أو إسقاط كل ما تحقق لمجرد أن القائم عليه لا ينتمي إلى هذا الطرف أو ذاك.

ولا أحد يستطيع أن ينتقص من حق أي قوة سياسية أو اجتماعية في المشاركة في الحياة العامة لشبوة، أو في تقديم رؤيتها لمستقبل المحافظة.

وما اجمل المشاركة حين تأتي في وقتها المناسب، دون القبول في احتكار تمثيل شبوة شيء آخر.

فشبوة أكبر من أن تختصر في مكون جهوي واحد، وأوسع من أن تكون ملكًا سياسيًا لطرف دون سواه. وهي، كما اليمن، متعددة في أبنائها وتوجهاتها وانتماءاتها، ولا يستقيم مستقبلها إلا بتعدد أصواتها وتكامل قواها.

وإذا كانت التعددية السياسية في اليمن قد أصبحت اليوم معلقة بين واقع مأزوم ومستقبل مجهول، فإن شبوة تملك فرصة تاريخية لتنافس على البناء، لا على الهدم؛ وعلى خدمة الناس، لا على إرباك حياتهم؛ وعلى صناعة المستقبل، لا استعادة صراعات الماضي.

فليكن التنافس على من يبني أكثر، ومن يخدم الناس أكثر، ومن يترك أثرًا أعظم في ذاكرة شبوة.

أما شبوة نفسها، فينبغي أن تبقى فوق الحسابات الحزبية والجهوية، وفوق رغبة أي طرف في احتكار صوتها أو اختزال تاريخها في مشروع واحد.

اتركوا شبوة تبني.

واتركوا مشروعها يمضي.

واتركوا للتاريخ أن يحكم بين من اختاروا طريق البناء، ومن اختاروا طريق الهدم.

فالتاريخ لا يجامل أحدًا، ولا يحفظ أسماء الذين امتلكوا القدرة على التعطيل، بل يخلد أولئك الذين امتلكوا شجاعة البناء حين كان البناء هو أصعب الخيارات.

شبوة اليوم أمام لحظة تاريخية؛ فإما أن تكون ساحة أخرى للصراع، أو أن تصبح النموذج الذي يقول لليمن كله: إن الوطن يمكن أن يبدأ من شبوة.