ثمة أوطان تُختصر في خريطة، وأوطان تسكن في الذاكرة والوجدان. واليمن من تلك البلاد التي لا يمكن اختزالها في حزب، ولا اختصارها في ثورة، ولا تعليق هويتها على جدار جماعة أو تيار. فهو أقدم من خصوماتنا، وأبقى من سلطاتنا، وأوسع من أن يتسع له خلاف عابر بين رفاق الأمس وخصوم اليوم.
ومن أكثر ما أرهق اليمنيين أن يتحول الوطن، في لحظات الصراع، من بيت يتسع للجميع إلى متراس يقف عليه كل فريق معلنًا أنه الأحق به، وأن روايته هي الرواية الوحيدة التي تستحق أن تُسمع.
هنا تبدأ المأساة.
فبعض الذين خرجوا إلى الشوارع في عام 2011 حملوا أحلامًا كبيرة، ورأوا في التغيير بابًا إلى دولة جديدة، غير أن الحلم وحده لا يكفي لصناعة الدول، كما أن الوقوف ضد نظام سابق لا يمنح صاحبه صكًا أبديًا بالوطنية، ولا يجعله وصيًا على مستقبل البلاد.
وفي الجهة الأخرى، لا يستطيع الذين كانوا جزءًا من النظام السابق أن ينظروا إلى الماضي باعتباره صفحة بيضاء، ثم يضعوا كل ما تلاه من خراب على طاولة المؤامرات الخارجية وحدها؛ فالدولة التي أُنهكت مؤسساتها، والثقة التي تصدعت بين المجتمع والسلطة، والأخطاء التي تراكمت عامًا بعد عام، لم تكن جميعها من صنع الآخرين.
وليس المقصود من ذلك أن نخلط بين من أخطأ ومن أجرم، ولا أن نضع الضحية والجلاد في ميزان واحد، ولا أن نمحو الفوارق بين المسؤوليات. فالعدالة لا تعني التسوية، والمصالحة لا تعني دفن الحقيقة، والصفح لا ينبغي أن يكون طريقًا لإعفاء من يستحق المساءلة.
لكن الحقيقة التي نحتاج إلى مواجهتها بشجاعة هي أن اليمن لم يصل إلى ما وصل إليه بضربة واحدة، ولا بسبب خطيئة طرف واحد، ولا في صباح منفرد. لقد كان الطريق طويلًا، تتراكم فيه الأخطاء فوق الأخطاء، حتى أصبح الوطن ذات يوم يدفع ثمن سنوات كاملة من سوء الإدارة والصراع والحسابات الضيقة.
إن أخطر ما يمكن أن نفعله اليوم هو أن نواصل كتابة التاريخ بأقلام الغضب؛ أن يبدأ كل طرف روايته من الجريمة التي ارتكبها خصمه، ثم يمحو من ذاكرته كل ما سبقها من أخطاء. وهكذا يصبح الماضي مرآة مكسورة، يرى فيها كل فريق وجهه الجميل وحده، ويترك بقية الشظايا لوجوه الآخرين.
الوطن، في حقيقته، ليس جائزة تُمنح للمنتصرين، ولا إرثًا سياسيًا تتناقله الجماعات، ولا ملكية خاصة لمن سبق إلى الميدان أو امتلك السلطة أو حمل السلاح.
الوطن هو ذلك الشيء الذي يبقى لنا جميعًا حين تسقط الرايات.
ولهذا فإن السؤال: «من يحق له أن يتحدث باسم اليمن؟» قد يكون من أكثر الأسئلة استنزافًا للبلاد. فاليمن لا يحتاج إلى بوابة سياسية يمر منها المواطن كي يثبت أنه يمني، ولا يحتاج الإنسان إلى بطاقة انتساب حتى يُسمح له بحب وطنه أو انتقاده أو الحلم بمستقبله.
من حق من وقف مع النظام السابق أن يراجع تجربته، ومن حق من خرج ضده أن يراجع تجربته أيضًا. ومن حق الجميع أن يقولوا: أخطأنا هنا، وأصبنا هناك، وخذلتنا قراراتنا في مواضع، وخذلنا بعضنا بعضًا في مواضع أخرى.
فالنضج الوطني لا يبدأ حين نكتشف أخطاء خصومنا، بل حين نمتلك الشجاعة لنرى أخطاءنا نحن.
أما الإصرار على توزيع صكوك الوطنية، ورفع بعض الناس إلى مرتبة «حراس الوطن»، وإنزال آخرين إلى خانة الخيانة والعمالة، فلن يصنع دولة، ولن يعيد مؤسسة، ولن يطعم جائعًا، ولن يعيد إلى اليمن ما فقده من أمن وطمأنينة.
بل إن استمرار هذا الاشتباك مع الماضي قد يتحول إلى وقود جديد للحرب، بينما يقف المستفيدون الحقيقيون من الفوضى في الظل، يتابعون اليمنيين وهم يقتتلون على تعريف الوطن، ويتركون لهم مهمة هدم ما تبقى من جسوره.
أمراء الحرب لا يخافون كثيرًا من الشتائم المتبادلة، ولا تقلقهم الخصومات التي تعيد إنتاج نفسها كل يوم؛ لأن الخصومة تمنحهم حياة جديدة، والانقسام يفتح لهم الأبواب، وغياب الدولة يجعل نفوذهم أكثر رسوخًا.
لكنهم يخشون شيئًا آخر: أن يكتشف اليمنيون أن خلافاتهم، مهما بلغت، أصغر من وطنهم.
يخشون أن يتوقف اليمني عن سؤال أخيه: «مع من كنت؟»، ويبدأ بسؤاله: «إلى أين نريد أن نذهب؟».
ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا الآن.
فالماضي لا يمكن تغييره، لكن يمكن أن نتعلم منه. والجرائم لا يجوز طمسها، لكن لا يجوز أن تتحول إلى سلاسل أبدية تكبل الأجيال. والخلافات السياسية لا ينبغي أن تتحول إلى ميراث أبدي تتوارثه الأبناء عن الآباء.
نحن بحاجة إلى ذاكرة لا تنسى، لكنها لا تنتقم؛ وإلى عدالة لا تتردد، لكنها لا تتحول إلى ثأر؛ وإلى وطن لا يطلب من أبنائه أن يتشابهوا كي يجتمعوا تحت سقفه.
اليمن أكبر من 11 فبراير، وأكبر من النظام السابق، وأكبر من كل الأحزاب والجماعات والقيادات التي تعاقبت على ساحته.
هو صنعاء القديمة وهي تستيقظ على صوت المطر، وعدن وهي تفتح نافذتها للبحر، وتعز وهي تصعد إلى الجبل، وحضرموت وهي تحفظ في ذاكرتها حكايات السنين، وصعدة والحديدة وإب والضالع ومأرب وشبوة وسائر المدن والقرى التي لا ذنب لها في خصومات السياسيين.
اليمن ليس ماضي فئة، ولا ذاكرة جماعة، ولا انتصار فريق على فريق.
إنه مستقبل أبنائه جميعًا.
وحين ندرك ذلك، لن يعود الوطن ساحةً يتقاتل الناس على امتلاكها، بل بيتًا يتعلمون كيف يعيدون بناءه.
فلا أحد يملك اليمن وحده؛ لا من أسقط نظامًا، ولا من دافع عنه، ولا من حمل السلاح، ولا من وقف في صف المعارضة.
اليمن لليمنيين جميعًا.
وربما تكون أعظم شجاعة نحتاج إليها اليوم ليست شجاعة الانتصار على الخصم، بل شجاعة أن نضع سيوف الماضي جانبًا، ونمد أيدينا إلى المستقبل، قبل أن نكتشف أن الوطن الذي تشاجرنا طويلًا على من يملكه، قد أرهقناه جميعًا حتى كاد يفقد القدرة على احتضاننا.