آخر تحديث :السبت-29 أغسطس 2026-08:59ص

جريمة التهريب والتمييز بينها وبين الحصول على مشتريات غير مجمركة

الخميس - 27 أغسطس 2026 - الساعة 08:39 م
المحامي مختار راجح



دراسة قانونية تأصيلية في ضوء قانون الجمارك اليمني


بقلم وتأليف: المستشار والكاتب الأدبي مختار راجح


مقدمة


تُعد جريمة التهريب الجمركي من الجرائم التي تمس النظام المالي والاقتصادي للدولة، لما يترتب عليها من إدخال بضائع أو إخراجها بعيدًا عن الرقابة الجمركية، وما قد يترتب على ذلك من ضياع الرسوم والضرائب الجمركية، والإخلال بالقيود المفروضة على بعض السلع.


غير أن التطبيق العملي يكشف عن خلط متكرر بين جريمة التهريب وبين مجرد شراء أو حيازة بضائع غير مجمركة، وكأن كل من وجدت في حيازته بضاعة لم تستوفِ عنها الرسوم الجمركية يكون بالضرورة مهربًا.


وهذا التوسع في التكييف يحتاج إلى مراجعة قانونية دقيقة؛ لأن المسؤولية الجنائية لا تقوم بمجرد الظن أو بمجرد وجود البضاعة، وإنما يجب تحديد الفعل الذي ارتكبه المتهم، ومدى انطباق النص القانوني عليه، وتوافر القصد الجنائي، وصلته بالبضاعة المهربة.


ومن هنا تأتي أهمية هذه الدراسة في بيان مفهوم التهريب، وأركانه، والصور التي اعتبرها القانون تهريبًا، ومركز الحائز والمشتري، والتمييز بين البضاعة المهربة والبضاعة غير المستوفاة للرسوم الجمركية.


---


المبحث الأول


مفهوم جريمة التهريب الجمركي


نصت المادة (268) من قانون الجمارك اليمني رقم (14) لسنة 1990م على أن:


«التهريب هو إدخال البضائع إلى البلاد أو إخراجها منها خلافًا لأحكام هذا القانون وللنصوص النافذة من غير طريق الدوائر الجمركية».


ويستفاد من هذا النص أن المشرع جعل جوهر جريمة التهريب قائمًا على خرق النظام الجمركي في عملية إدخال البضاعة إلى البلاد أو إخراجها منها.


وبذلك فإن التهريب لا يعني مجرد وجود بضاعة لم تسدد عنها الرسوم، وإنما يتعلق أساسًا بالطريقة التي دخلت بها البضاعة أو خرجت بها، وبمدى مخالفة تلك العملية لأحكام القانون.


---


المبحث الثاني


أركان جريمة التهريب


تقوم جريمة التهريب على أركان أساسية، هي:


أولًا: الركن الشرعي


ويتمثل في وجود نص قانوني يجرم الفعل ويقرر له الجزاء.


والأصل أن التجريم والعقاب لا يكونان إلا بناءً على نص قانوني نافذ، فلا يجوز التوسع في التجريم أو القياس عليه في المسائل الجنائية.


ثانيًا: الركن المادي


يتمثل في ارتكاب فعل من الأفعال التي اعتبرها القانون تهريبًا.


ومن أبرز صوره:


- إدخال البضائع إلى البلاد من غير الطريق الجمركي.

- إخراج البضائع من البلاد من غير الطريق الجمركي.

- عدم التوجه بالبضائع عند إدخالها إلى أول مركز أو دائرة جمركية.

- عدم اتباع الطرق القانونية والنظامية المحددة لإدخال البضائع أو إخراجها أو عبورها.

- تفريغ البضائع أو تحميلها في الأماكن أو الظروف التي حدد القانون عدم مشروعيتها.

- بعض صور النقل أو الحيازة أو التعامل بالبضائع داخل النطاق الجمركي متى توافرت الشروط التي حددها القانون.


ثالثًا: الركن المعنوي


وهذا من أهم أركان الجريمة.


فقد نصت المادة (270) على اشتراط توافر القصد في المسؤولية الجزائية عن جريمة التهريب.


ومعنى ذلك أن المسؤولية الجنائية لا ينبغي أن تبنى على مجرد الوجود المادي للبضاعة، بل يجب بحث علم الشخص بحقيقة البضاعة وظروفها وصلته بالفعل غير المشروع.


---


المبحث الثالث


ما يعتبر تهريبًا بحكم القانون


لم يكتفِ المشرع بالتعريف العام للتهريب في المادة (268)، وإنما أورد في المادة (269) حالات اعتبرها تهريبًا لأغراض تطبيق قانون الجمارك.


ومن أهم هذه الحالات:


1 ـ عدم التوجه بالبضائع إلى أول مركز جمركي


إذا أدخلت البضاعة إلى البلاد ولم يتوجه بها صاحبها إلى أول مركز أو دائرة جمركية وفق ما يوجبه القانون، فقد اعتبر المشرع ذلك من صور التهريب.


2 ـ عدم اتباع الطرق المحددة قانونًا


إذا كانت هناك طرق قانونية ونظامية محددة لإدخال البضاعة أو إخراجها أو عبورها، ثم تم تجاوز تلك الطرق، فقد تدخل الواقعة في نطاق التهريب متى توافرت شروط النص.


3 ـ التفريغ أو التحميل بصورة مخالفة


ومن ذلك بعض صور تفريغ البضائع من السفن أو تحميلها عليها في أماكن أو ظروف مخالفة للنظام الجمركي.


4 ـ بعض صور النقل الجوي والبحري والبري


اعتبر القانون بعض الأفعال التي تتم خارج المراكز والدوائر الجمركية أو بالمخالفة للإجراءات النظامية في حكم التهريب.


5 ـ بعض حالات الإدخال المؤقت


ومن ذلك عدم إعادة تصدير السيارات التي أدخلت مؤقتًا خلال المدة والشروط التي حددها القانون.


---


المبحث الرابع


الفرق الجوهري بين التهريب والبضاعة غير المجمركة


هذه هي أهم نقطة في الدراسة.


هناك فرق بين قولنا:


«هذه بضاعة مهربة»


وبين قولنا:


«هذه بضاعة غير مجمركة أو لم تستوفَ عنها الرسوم الجمركية».


فليست كل بضاعة غير مستوفاة الرسوم بالضرورة بضاعة مهربة.


فقد توجد البضاعة داخل البلاد بسبب:


- عدم استكمال الإجراءات الجمركية.

- وجود خلاف على قيمة الرسوم.

- وجود بيان جمركي لم يستكمل.

- وجود البضاعة في وضع جمركي مؤقت.

- وجود مخالفة في المستندات.

- عدم سداد الرسوم في وقتها.

- أو دخول البضاعة بطريقة غير مشروعة تجعلها مهربة.


ولذلك فإن وصف البضاعة بأنها غير مجمركة لا يكفي وحده لإثبات جريمة التهريب.


---


المبحث الخامس


الفرق بين المهرب والمشتري


أولًا: المهرب


هو الشخص الذي يثبت ارتكابه فعلًا يدخل ضمن الصور التي جرمها القانون باعتبارها تهريبًا.


فإذا ثبت أن شخصًا أدخل بضاعة من مكان غير جمركي، أو تعمد عدم عرضها على المركز الجمركي، أو ارتكب إحدى صور التهريب التي حددها القانون، فإنه يسأل عن فعل التهريب متى اكتملت بقية عناصر الجريمة.


ثانيًا: المشتري


أما الشخص الذي اشترى البضاعة بعد وصولها إلى السوق، ولم يثبت أنه شارك في عملية إدخالها أو إخراجها، فإن مركزه القانوني يختلف عن مركز المهرب الأصلي.


وهنا يجب بحث:


- هل كان يعلم أن البضاعة مهربة؟

- هل كان يعلم مصدرها؟

- هل شارك في عملية التهريب؟

- هل اتفق مع المهربين؟

- هل قدم لهم مساعدة؟

- هل كانت حيازته جزءًا من النشاط الإجرامي؟

- وهل انطبق عليه النص الخاص بحيازة المواد المهربة؟


وبالتالي لا يجوز مساواة المشتري اللاحق بالضرورة مع من قام بالتهريب.


---


المبحث السادس


حيازة البضاعة المهربة وموقف القانون


نصت المادة (270) على أن من المسؤولين جزائيًا بصورة خاصة:


حائزو المواد المهربة.


وهذا النص مهم للغاية؛ لأنه يدل على أن المشرع لم يحصر المسؤولية في الشخص الذي قام بإدخال البضاعة، وإنما امتد بها إلى الحائز متى توافرت الشروط القانونية للمسؤولية.


ولكن النص نفسه اشترط توافر القصد في المسؤولية الجزائية عن جرم التهريب.


ومن ثم يجب عدم قراءة عبارة «حائزو المواد المهربة» بمعزل عن شرط القصد.


والنتيجة القانونية المهمة هي:


الحيازة المادية وحدها لا ينبغي أن تكون أساسًا آليًا لإدانة الشخص دون بحث علمه وقصده وصلته بالبضاعة المهربة.


---


المبحث السابع


القصد الجنائي وعلاقته بالحيازة


القصد الجنائي هو العنصر الذي يميز بين الحيازة العادية وبين الحيازة التي ترتب مسؤولية جنائية.


فإذا كان الشخص لا يعلم حقيقة البضاعة، وكان قد حصل عليها بطريق معتاد، ولم توجد أدلة على علمه بكونها مهربة، فإن مسألة القصد تصبح محل بحث جوهري.


أما إذا ثبت علمه بأنها مهربة، وثبت أنه تعامل معها أو حازها على هذا الأساس، فقد تتوافر المسؤولية بحسب النص القانوني المنطبق على الواقعة.


ويجب هنا التمييز بين:


العلم المفترض


و


العلم المستخلص من الأدلة والقرائن.


فلا يجوز افتراض العلم الجنائي لمجرد أن البضاعة غير مصحوبة بمستند جمركي، ما لم يسمح النص القانوني بذلك وتتحقق شروطه.


---


المبحث الثامن


هل عدم وجود الفاتورة يساوي التهريب؟


الجواب:


لا.


فعدم وجود الفاتورة قد يكون قرينة أو مخالفة أو مسألة تتعلق بإثبات مصدر البضاعة، ولكنه لا يمثل بذاته التعريف القانوني لجريمة التهريب.


فالمطلوب هو معرفة:


1. من أين جاءت البضاعة؟

2. كيف دخلت إلى البلاد؟

3. من قام بإدخالها؟

4. هل دخلت من طريق جمركي؟

5. هل عرضت على الجمارك؟

6. هل استوفيت الإجراءات القانونية؟

7. ما علاقة المتهم بها؟

8. هل كان يعلم بحقيقة مصدرها؟

9. هل قصد التعامل معها باعتبارها بضاعة مهربة؟


وهذه المسائل هي التي تساعد المحكمة على الوصول إلى التكييف القانوني الصحيح.


---


المبحث التاسع


البضاعة غير المجمركة قد تكون محل مخالفة دون أن تكون تهريبًا


من الخطأ القانوني اعتبار كل إخلال جمركي تهريبًا.


فالقانون نظم المخالفات الجمركية وقرر لها جزاءات خاصة، كما نظم جرائم التهريب وما هو معتبر في حكمه في فصل مستقل.


وبالتالي يجب أولًا تحديد طبيعة الفعل:


هل هو:


مخالفة جمركية؟


أم:


تهرب من إجراء جمركي؟


أم:


جريمة تهريب؟


أم:


حيازة لمواد مهربة مع توافر القصد؟


أم:


اشتراك أو تدخل أو تحريض في عملية التهريب؟


فلكل حالة حكمها القانوني.


---


المبحث العاشر


شراء البضاعة المهربة بعد وقوع التهريب


نفترض أن شخصًا قام بتهريب بضاعة من خارج البلاد، ثم باعها إلى تاجر داخل السوق.


هنا يجب الفصل بين الفعلين:


الفعل الأول


وهو إدخال البضاعة إلى البلاد بطريقة غير مشروعة.


وهذا هو فعل التهريب الأصلي.


الفعل الثاني


وهو شراء البضاعة بعد دخولها إلى البلاد.


وهذا الفعل لا يعني تلقائيًا أن المشتري هو الذي ارتكب فعل الإدخال.


ولكن إذا ثبت أن المشتري كان جزءًا من الاتفاق السابق على التهريب، أو كان يعلم به وقدم المساعدة أو اشترك فيه، فإن مسؤوليته قد تتغير بحسب طبيعة دوره والنصوص الجزائية المنطبقة.


أما إذا كان مجرد مشتري لاحق حسن النية، فلابد من بحث مدى انطباق النص الخاص بالحيازة أو التعامل في المواد المهربة، مع مراعاة شرط القصد الذي قرره القانون.


---


المبحث الحادي عشر


القرائن التي يمكن أن تستدل بها المحكمة على العلم


العلم والقصد من المسائل التي يمكن استخلاصها من ظروف الواقعة وملابساتها.


ومن أمثلة القرائن التي قد تكون محل بحث:


- ضخامة كمية البضاعة.

- طريقة إخفائها.

- السعر غير المعتاد بصورة واضحة.

- الاتفاقات والمراسلات بين الأطراف.

- وجود علاقة مباشرة بين المشتري والمهربين.

- تكرار التعامل في البضائع المهربة.

- وجود مستندات مزورة أو بيانات مصطنعة.

- نقل البضاعة بطريقة سرية.

- محاولة إخفاء مصدر البضاعة.

- وجود معلومات سابقة تثبت علم الحائز بمصدرها.


لكن هذه القرائن يجب أن تخضع لتقدير المحكمة، ولا تتحول كل قرينة منفردة إلى دليل قطعي إلا بقدر ما تستخلصه المحكمة منها وفق القانون.


---


المبحث الثاني عشر


التكييف القضائي لجريمة التهريب


من المبادئ المهمة في التكييف القضائي أن العبرة بحقيقة الواقعة وأركانها القانونية، لا بمجرد التسمية التي ترد في محضر الضبط أو قرار الاتهام.


فإذا ورد في محضر الضبط:


«ضبط بضائع غير مجمركة».


فهذا لا ينهي البحث القانوني.


بل يجب تحديد الوصف القانوني الصحيح:


هل هي بضاعة مهربة؟


هل هي بضاعة لم تستوفَ عنها الرسوم؟


هل هي بضاعة أدخلت بطريقة نظامية ولكن لم تستكمل الإجراءات؟


هل هي بضاعة محل مخالفة جمركية؟


هل الحائز هو المهرب؟


أم مجرد مشترٍ لاحق؟


وهنا تظهر أهمية مبدأ:


القضاء يكون بحسب حقيقة السبب والواقعة والتكييف القانوني الصحيح، وليس بحسب مجرد تسمية الدعوى أو الواقعة.


---


المبحث الثالث عشر


مسؤولية الحائز وفق المادة (270)


إن إدراج الحائز ضمن المسؤولين جزائيًا في المادة (270) لا يعني أن كل حائز مادي يتحمل تلقائيًا جميع آثار جريمة التهريب.


بل يجب الجمع بين أمرين:


الأول: ثبوت أن المادة محل الحيازة من المواد المهربة.


الثاني: توافر القصد الذي اشترطه القانون للمسؤولية الجزائية.


ومن هنا فإن إثبات أن البضاعة مهربة شيء، وإثبات مسؤولية الحائز عنها شيء آخر.


فقد تثبت صفة التهريب في البضاعة، ثم يتعين بعد ذلك تحديد الشخص المسؤول عنها ودوره وعلمه وقصده.


---


المبحث الرابع عشر


صور عملية للمقارنة


الصورة الأولى: المهرب الأصلي


شخص أدخل البضاعة عبر طريق غير جمركي.


الحكم القانوني: إذا ثبتت الواقعة والقصد، فإنها تدخل في نطاق جريمة التهريب.


الصورة الثانية: الحائز العالم


شخص يعلم أن البضاعة مهربة، وقام بحيازتها أو التعامل بها مع علمه بحقيقتها.


الحكم القانوني: تبحث مسؤوليته وفق المادة (270) والنصوص الجزائية النافذة.


الصورة الثالثة: المشتري حسن النية


شخص اشترى بضاعة من متجر عادي، ولم يكن يعلم بأنها مهربة، ولم تثبت مشاركته في عملية التهريب.


الحكم القانوني: لا يكفي مجرد وجود البضاعة لديه لإثبات أنه هو المهرب الأصلي، ويجب بحث القصد والعلم والنص الخاص المنطبق.


الصورة الرابعة: المشتري المتفق مع المهربين


شخص اتفق مع المهربين مسبقًا على إدخال البضاعة، أو وفر لهم وسيلة النقل أو المكان أو الأموال أو غير ذلك من وسائل المساعدة.


الحكم القانوني: هنا لا يكون مجرد مشتري لاحق، وإنما قد تقوم مسؤوليته كشريك أو متدخل أو محرض بحسب الدور الذي ثبت في حقه.


---


المبحث الخامس عشر


الغرامات والمصادرة


رتب قانون الجمارك على التهريب وما يعتبر في حكمه آثارًا مالية وجمركية، ومن ذلك الغرامات ومصادرة البضائع موضوع التهريب.


كما أجاز القانون في الحالات التي حددها الحكم بمصادرة وسائل النقل والأدوات والمواد التي استعملت في التهريب، وفقًا للشروط والأحكام القانونية.


وهنا يجب التفريق بين:


مصادرة البضاعة محل الجريمة


وبين:


مصادرة أموال أو وسائل شخص لم تثبت علاقته بالجريمة.


فالمصادرة عقوبة أو أثر قانوني يجب أن يستند إلى نص وإلى ثبوت شروطه، ولا يجوز التوسع فيها بغير سند.


---


المبحث السادس عشر


أثر عدم ضبط المهرب الأصلي


قد تضبط البضاعة المهربة عند شخص آخر غير الشخص الذي أدخلها.


وهنا لا يعني عدم ضبط المهرب الأصلي أن الحائز أصبح تلقائيًا هو المهرب الأصلي.


بل يجب التحقيق في:


- مصدر البضاعة.

- كيفية دخولها.

- هوية من قام بإدخالها.

- كيفية انتقالها إلى الحائز.

- علم الحائز.

- صلته بالمهربين.

- دوره في الجريمة.


فقد تكون الأدلة كافية لإثبات أن البضاعة مهربة، ولكنها غير كافية لإثبات أن الحائز هو الذي قام بعملية التهريب.


وهذا فارق مهم في المسؤولية الجنائية.


---


المبحث السابع عشر


قاعدة الشك وتفسير النص الجنائي


لأن جريمة التهريب جريمة جنائية، فإن تفسير النصوص العقابية يجب أن يكون في حدود النص وعدم التوسع في التجريم.


ولا يجوز إنشاء جريمة جديدة عن طريق التفسير أو القياس.


فإذا كان النص يجرم فعلًا محددًا بشروط معينة، فلا يجوز إدانة شخص عن فعل آخر لمجرد وجود تشابه بين الواقعتين.


وهذا يحقق التوازن بين أمرين:


حماية الخزانة العامة والنظام الجمركي من التهريب.


و


حماية الأفراد من التوسع غير المشروع في المسؤولية الجنائية.


---


المبحث الثامن عشر


الرأي التأصيلي للمؤلف


أرى أن التمييز بين جريمة التهريب وبين مجرد شراء أو حيازة المشتريات غير المجمركة يجب أن يقوم على أربعة عناصر رئيسية:


العنصر الأول: طبيعة البضاعة


هل ثبت أنها مهربة فعلًا أم أنها مجرد بضاعة لم تستوفَ رسومها؟


العنصر الثاني: مصدر البضاعة


هل دخلت البلاد بطريقة غير مشروعة أم دخلت بطريقة قانونية ثم نشأت المخالفة بعد ذلك؟


العنصر الثالث: دور المتهم


هل هو المهرب الأصلي، أم شريك، أم متدخل، أم محرض، أم حائز، أم مشتري لاحق؟


العنصر الرابع: القصد الجنائي


هل كان يعلم بحقيقة البضاعة وبكونها مهربة، وهل اتجهت إرادته إلى التعامل معها على هذا الأساس؟


وبناءً على ذلك فإن:


مجرد شراء بضاعة غير مجمركة لا يساوي بذاته فعل التهريب.


كما أن:


مجرد حيازة البضاعة لا يغني عن إثبات شروط المسؤولية التي قررها القانون.


ولكن إذا ثبت علم الحائز بأنها مهربة، وثبتت صلته بها على النحو الذي يجرمه القانون، فقد تقوم مسؤوليته الجزائية.


---


المبحث التاسع عشر


القاعدة القانونية المستخلصة


يمكن صياغة القاعدة التأصيلية على النحو الآتي:


«جريمة التهريب هي إدخال البضائع إلى البلاد أو إخراجها منها بالمخالفة لأحكام قانون الجمارك ومن غير الطريق الجمركي، أو ارتكاب إحدى الصور التي اعتبرها القانون تهريبًا، ولا يكفي لإسناد فعل التهريب إلى المشتري أو الحائز مجرد وجود البضاعة في حيازته، بل يجب تحديد دوره القانوني، وتوافر القصد، وثبوت علمه بحقيقة البضاعة وصلته بالفعل المجرّم، وفقًا للنص الواجب التطبيق.»


---


المبحث العشرون


النتيجة النهائية


بعد استقراء أحكام قانون الجمارك اليمني يتضح أن هناك فرقًا جوهريًا بين:


البضاعة المهربة


و


البضاعة غير المجمركة


و


المشتري للبضاعة


و


حائز البضاعة المهربة.


فالأولى تتعلق بوصف البضاعة وطريقة دخولها أو خروجها.


والثانية تتعلق بحالتها الجمركية وعدم استكمال الرسوم أو الإجراءات.


والثالثة تتعلق بمركز الشخص الذي حصل على البضاعة.


والرابعة تتعلق بالمسؤولية التي قد تترتب على الحائز إذا توافرت شروطها القانونية والقصد الجنائي.


ومن ثم فإن التكييف الصحيح للواقعة يسبق الحكم بالمسؤولية، ولا يجوز أن يتحول مجرد ضبط بضاعة غير مجمركة إلى حكم تلقائي بأن صاحبها هو المهرب.


كما أن حماية الإيرادات الجمركية لا تعني التوسع في التجريم، وإنما تعني تطبيق النص القانوني بدقة على من ثبتت علاقته بالفعل الإجرامي.


الخلاصة


المهرب هو من ارتكب فعل التهريب أو ساهم فيه على الوجه الذي يجرمه القانون.


أما المشتري فليس مهربًا لمجرد أنه اشترى البضاعة بعد دخولها البلاد.


والحائز قد يسأل جزائيًا إذا توافرت شروط النص، وعلى رأسها القصد الذي اشترطه قانون الجمارك.


أما مجرد عدم وجود فاتورة أو عدم إثبات دفع الرسوم فلا يكفي وحده، دون بحث مصدر البضاعة وطريقة دخولها وعلم المتهم وصلته بها، لإثبات جريمة التهريب.


وهذا هو الفارق الذي ينبغي أن يقوم عليه التكييف القضائي السليم لجريمة التهريب في القانون اليمني.