الوطن ليس خريطةً تُعلَّق على الجدران، ولا علمًا يُرفع في المناسبات، ولا شعارًا يُردَّد أمام الكاميرات. الوطن حقوقٌ وكرامةٌ وعدالةٌ وقرارٌ مستقل. وحين تُنهب حقوق الناس باسم الوطن، ويُختزل القرار في مصالح الفاسدين والمرتهنين، يصبح من حق المواطن أن يسأل: أيُّ وطنٍ هذا الذي يُطلب منه أن يموت من أجله، بينما يتربّح آخرون باسمه؟
لا وطن مع فساد.
فالفساد ليس مجرد سرقة مال عام؛ إنه سرقةٌ لمستقبل الناس، وإهانةٌ لفكرة الدولة، وتحويلٌ للمنصب العام من مسؤولية إلى غنيمة. وحين يصبح الفاسد في مقدمة المشهد، بينما المواطن يقف في طوابير الراتب والخدمات، فإن المشكلة لم تعد في نقص الإمكانات، بل في سوء إدارة ما هو موجود ونهب ما يفترض أن يكون حقًا عامًا.
والأكثر إيلامًا أن ترى مسؤولًا يعيش خارج الوطن مع أسرته في رفاهية الفنادق، بينما المواطن في الداخل يبحث عن راتبه، ويكابد انقطاع الكهرباء وغلاء المعيشة، وقد يصل به الفقر إلى البحث عن بقايا الطعام.
هنا لا يعود الفساد خطأً إداريًا؛ بل يصبح اعتداءً على كرامة الإنسان.
ثم تأتي الكارثة الأخرى:
ولا كرامة مع ارتهان.
فالقرار الوطني الذي لا يصنعه أبناء الوطن لمصلحة شعبهم، وإنما تمليه مصالح الآخرين، ليس قرارًا مستقلًا. ومن يبيع قراره السياسي مقابل الدعم أو المال أو الحماية، إنما يدفع الثمن من رصيد وطنه وكرامة شعبه.
لسنا ضد التعاون مع الآخرين، ولا ضد العلاقات والمصالح المشتركة؛ لكن الفرق كبير بين الشراكة والارتهان، وبين التعاون والتبعية. الشراكة تحفظ القرار، أما الارتهان فيصادره.
والشعب لا يريد خطاباتٍ فاخرة عن الوطنية، بل يريد وطنًا يرى فيه أثر هذه الوطنية: راتبًا منتظمًا، كهرباءً، ماءً، تعليمًا، صحةً، أمنًا، وعدالةً، ومسؤولًا يعيش مع شعبه لا فوق شعبه.
فالوطنية الحقيقية لا تُقاس بعدد الأعلام التي نرفعها، بل بقدر ما نصون به حقوق الناس.
ومن هنا، فإن المعركة الحقيقية ليست بين شعارٍ وشعار، ولا بين شخصٍ وشخص؛ إنها معركة بين دولة القانون ودولة الغنيمة، بين القرار المستقل والقرار المرتهن، بين كرامة المواطن ومصالح المتنفذين.
وسيبقى السؤال الذي لا يستطيع الفساد إسكاتَه:
كيف نطلب من شعبٍ جائع أن يثق بمن سرق قوته، وكيف نطلب منه أن يؤمن بالقرار الوطني بينما القرار نفسه مرهون؟
الوطن لا يحتاج إلى مزيد من الخطب؛ يحتاج إلى نزاهةٍ تحمي ثرواته، وعدالةٍ تصون حقوقه، وقرارٍ لا يُباع ولا يُشترى.
لا وطن مع فساد، ولا كرامة مع ارتهان؛ ومن أراد وطنًا حرًا، فليبدأ أولًا بتحرير الدولة من الفساد والقرار من التبعية.