آخر تحديث :الخميس-27 أغسطس 2026-07:13ص

عدن ليست غنيمة… حين يتحول شعار القضية إلى أداة للإقصاء

الأربعاء - 26 أغسطس 2026 - الساعة 09:53 م
حسين علي باهميل



هناك فرق كبير بين من يحمل قضية، وبين من يتخذ القضية شعارًا للوصول إلى السلطة والنفوذ والمصالح.


وهناك فرق أكبر بين من يناضل من أجل عدن وأهلها، وبين من يتعامل مع عدن وكأنها غنيمة حرب، ومع أهلها وكأنهم غرباء في مدينتهم.


خلال أكثر من عشر سنوات، شهدت عدن مرحلة قاسية من الفوضى والانفلات وتغول النفوذ المسلح، وتراكمت فيها مظاهر الفساد وسوء الإدارة والإقصاء، حتى أصبح السؤال الذي يفرض نفسه: أين هو المشروع الذي قيل للناس إنهم يقاتلون من أجله؟


فالقضية الجنوبية، في جوهرها، ليست مشروعًا للفساد، ولا وسيلة للاستحواذ، ولا مبررًا لإقصاء الناس، ولا تصريحًا مفتوحًا للسيطرة على المدن ومؤسساتها.


القضية التي تُرفع باسم الناس يجب أن تكون أولًا في خدمة الناس.


أما أن تتحول الشعارات إلى غطاء لممارسات تناقض أبسط مبادئ العدالة والكرامة، فهنا يصبح من حق الناس أن يسألوا: من الذي يخدم القضية؟ ومن الذي يستخدم القضية؟


شرفاء خدعتهم الشعارات


وليس من الإنصاف أن نضع جميع أبناء الجنوب في سلة واحدة.


فبين الذين ساروا خلف تلك المشاريع، كان هناك شرفاء صدقوا الشعارات، وآمنوا بأن من يرفع راية الجنوب إنما يريد استعادة حقوقه وبناء دولة عادلة تحفظ كرامة أبنائها.


هؤلاء لم يكونوا شركاء في الفساد بالضرورة، وإنما كانوا في كثير من الحالات أسرى لحسن النية.


لكن الأيام كشفت الكثير.


وحين يكتشف الإنسان أن من وثق بهم لا يملكون مشروع دولة، وإنما مشروع نفوذ؛ وأن الشعارات الكبيرة لم تكن إلا وسيلة للوصول إلى السلطة والثروة، فإن خيبة الأمل تكون مضاعفة.


وهنا تبدأ مرحلة الوعي الحقيقي: أن نفرق بين القضية وبين من يدّعي تمثيلها.


عدن ليست ملكية خاصة


عدن ليست ملكًا لفصيل، ولا لقبيلة، ولا لحزب، ولا لمجلس سياسي، ولا لجماعة مسلحة.


عدن مدينة اليمنيين جميعًا، وأهلها الذين عاشوا فيها، وبنوا مؤسساتها، وأسهموا في تجارتها وثقافتها وتعليمها وصحافتها وموانئها، لهم فيها حق لا يستطيع أحد مصادرته بالشعارات.


ومن أخطر ما يمكن أن يحدث أن تتحول الصراعات السياسية إلى مشروع لإعادة تشكيل المجتمع بالقوة، أو إلى محاولة لإبعاد أبناء المدينة وإحلال الولاءات السياسية والمناطقية محل الانتماء المدني.


فالمدينة لا تُبنى بطرد أهلها، ولا تُدار بمنطق الغلبة.


ومن يريد أن يبني دولة جنوبية أو دولة يمنية عادلة، عليه أولًا أن يثبت أنه يؤمن بالعدالة داخل مدينته وبين أبناء مجتمعه.


من 1967 إلى اليوم… هل يتكرر التاريخ؟


لقد عانت عدن والجنوب في مراحل تاريخية مختلفة من سياسات الإقصاء والنفي والتهميش، وطالت تلك السياسات شخصيات وكوادر وأسرًا كان لها حضورها في الحياة السياسية والإدارية والثقافية.


والخطير اليوم أن يتكرر المنطق نفسه بأدوات جديدة وشعارات جديدة.


فإذا كان الجيل السابق قد مارس الإقصاء باسم الثورة والقومية والاشتراكية، فلا يجوز أن يأتي جيل جديد ليمارس الإقصاء باسم القضية الجنوبية.


تغيير الشعار لا يغيّر طبيعة الممارسة.


إذا كان معيار المواطنة هو الولاء السياسي، وإذا كان معيار الحصول على الحقوق هو الانتماء إلى جماعة بعينها، وإذا أصبح الاختلاف مع السلطة سببًا للتخوين والإقصاء، فنحن لم نتجاوز الماضي؛ بل نعيد إنتاجه بصورة أخرى.


وديع منصور… نموذج لمن دفع ثمن موقفه


وفي هذا السياق تبرز قضية الأستاذ وديع منصور، الإعلامي الذي وقف بقلمه وصوته مع القضية الجنوبية، وآمن بها ودافع عنها، ثم وجد نفسه اليوم في مواجهة ممارسات وإجراءات لا تنسجم مع أبسط قواعد الوفاء لمن وقفوا إلى جانب القضية في مراحلها الصعبة.


وهنا لا تصبح القضية قضية شخص واحد.


السؤال الأوسع هو:


ماذا تقولون لمن وقف معكم عندما كان الصوت مكلفًا؟


هل تكون مكافأته بالإقصاء؟


هل يصبح أبناء عدن الذين آمنوا بالقضية الجنوبية ضيوفًا عليها عندما يختلفون مع من يدّعي تمثيلها؟


وهل أصبحت القضية ملكًا لمن يملك القوة، وليس لمن يؤمن بها؟


إن قضية وديع منصور، إذا صحت الوقائع المتداولة بشأن ما يتعرض له، تستحق أن تُناقش بعيدًا عن التخوين والمزايدات، لأن القضية هنا ليست شخصًا فقط، وإنما مبدأ: هل يحق للإنسان أن يؤيد قضية ثم يختلف مع بعض القائمين عليها دون أن يتحول إلى خصم أو هدف؟


الجنوب لا يحتاج إلى نسخة جديدة من الماضي


الجنوب الذي ننشده ليس جنوب الإقصاء.


وليس جنوب تصفية الحسابات.


وليس جنوب المليشيات.


وليس جنوب المناطقية.


وليس جنوب تهجير أبناء المدن.


الجنوب الذي يستحقه أبناؤه هو جنوب المواطنة والعدالة وسيادة القانون وتكافؤ الفرص.


وإذا كان هناك مشروع لبناء دولة جنوبية، فإن أول اختبار حقيقي لهذا المشروع لن يكون في البيانات والخطب، وإنما في كيفية التعامل مع المختلفين، وفي حماية حقوق أبناء عدن، وفي احترام أصحاب الرأي، وفي عدم تحويل المدينة إلى مساحة مغلقة أمام من لا يبايعون السلطة القائمة.


كلمة أخيرة


لقد آن الأوان لأن نتوقف عن تقديس الشعارات.


فالشعارات لا تصنع دولة.


والرايات لا تبني مؤسسات.


والخطابات لا تطعم شعبًا ولا تحمي مدينة.


الذي يصنع الدولة هو القانون، والعدل، والمؤسسات، واحترام الإنسان.


ومن يريد أن يقنع أبناء الجنوب بأنه يحمل مشروعًا مختلفًا عن مشاريع الماضي، فعليه أن يبدأ من أبسط قاعدة:


لا إقصاء، لا تهجير، لا تخوين، لا استحواذ، ولا مواطنة على أساس الولاء السياسي.


أما عدن، فليست غنيمة لأحد.


هي مدينة عريقة، وأهلها ليسوا غرباء فيها، ومن أراد أن يحكمها أو يتحدث باسمها فعليه أولًا أن يحترم أهلها.


فمن لا يستطيع أن يحمي كرامة الإنسان في عدن، لن يستطيع أن يبني دولة تحفظ كرامة الجنوب.


القضية لا يملكها من يرفع شعارها… بل يملك شرعيتها من يحفظ حقوق أهلها.


*كاتب وباحث في الشأن الجنوبي