منذ مطلع عام 2026م أصبح المجتمع الدولي ينتظر من سلطات الشرعية إصلاحات مؤسسية حقيقية، وتعزيز الشفافية والنزاهة والاعتماد على الكفاءات في منظومة الدولة إلى جانب تحول في استراتيجية الشرعية بما يواكب المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة، فطوال السنوات الماضية كان جزء من ضعف أداء سلطات الشرعية يُبرَّر بعرقلة المجلس الانتقالي الجنوبي لأي جهود وبصعوبة ممارسة قيادات الشرعية عملها من داخل عدن.
لكن المشهد تغير بصورة جوهرية وأصبحت مساحة الأعذار أضيق ، ومع إعادة ترتيب المشهد السياسي والعسكري وتوفير مساحة أكبر للحكومة لممارسة مهامها، كان يفترض أن تظهر نتائج ملموسة في الخدمات والإدارة والاقتصاد والمؤسسات.
إلا أن استمرار الأزمات وتدهور الخدمات وضعف الأداء الحكومي يطرح سؤالًا أكبر حول قدرة منظومة الشرعية بصيغتها الحالية على إدارة المرحلة المقبلة؟
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية فالشرعية لا تحتاج فقط إلى تغيير بعض الأشخاص وإنما إلى مراجعة طريقة إدارة الدولة نفسها، فالدولة لا تُقاس بعدد المناصب أو البيانات السياسية وإنما بقدرتها على تقديم الخدمات وحماية المؤسسات ومكافحة الفساد واستقطاب الكفاءات وإدارة الموارد وتوحيد القرار وتحويل الدعم الإقليمي والدولي إلى نتائج ملموسة للمواطن.
وفي الوقت نفسه ولضعف قراءة سلطات الشرعية لما يدور حولها فإنها لم تستوعب بما يكفي الأهمية المتزايدة لجيوسياسية اليمن في الصراع الإقليمي والدولي، فاليمن اليوم لم يعد دولة هامشية في حسابات الأمن الدولي بل أصبح رقمًا مهمًا في معادلة الأمن الإقليمي وممرات الملاحة العالمية، من خلال موقعه على البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن والبحر العربي، حيث يمر عبر باب المندب نحو 12% من التجارة العالمية وفق التقديرات المتداولة وهو ما يجعل استقرار اليمن البحري قضية تتجاوز حدوده الوطنية.
هذه الأهمية الاستراتيجية تمثل فرصة كان يمكن للشرعية أن تستثمرها بصورة أكبر، من خلال تقديم اليمن كشريك فاعل في أمن الملاحة والطاقة والتجارة الإقليمية والدولية ، وليس فقط كملف حرب أو أزمة إنسانية او دولة تطلب مساعدات .
لكن ذلك يتطلب دولة قادرة على التفكير الاستراتيجي وإدارة مواردها بكفاءة وامتلاك رؤية واضحة لموقع اليمن في التحولات الجارية.
وفي المقابل فإن استمرار ضعف الخدمات وتراجع الثقة بالمؤسسات وانتشار المحاصصة والصراعات داخل مراكز القرار لا يمثل مشكلة داخلية فقط، بل يمكن أن يتحول إلى مشكلة ثقة لدى الشركاء الإقليميين والدوليين أيضًا ، فالمجتمع الدولي لا يبحث فقط عن سلطة تحظى بالاعتراف وإنما عن شريك قادر على إدارة الدولة وحماية المصالح المشتركة وتحقيق قدر من الاستقرار، خصوصًا في منطقة أصبحت فيها أمن الملاحة وسلاسل الإمداد والطاقة جزءًا من حسابات الأمن الدولي.
وهنا تبرز مسؤولية المملكة العربية السعودية بصفتها الدولة الراعية والداعمة والمتصدرة لملف اليمن ،فكلما ارتفعت الأهمية الاستراتيجية لليمن ارتفع معها ثمن استمرار الضعف المؤسسي والسياسي ،والسؤال لم يعد فقط: هل ما زالت السعودية تدعم الشرعية؟
بل أيضًا: إلى أي مدى يمكن أن يستمر دعم أي منظومة سياسية إذا لم تتمكن من تحويل هذا الدعم إلى مؤسسات فعالة ونتائج ملموسة.....!؟
وفي الآونة الأخيرة ظهرت مؤشرات اجتماعية وسياسية لا ينبغي تجاهلها؛ فاستمرار تدهور الخدمات وضعف الثقة بالمؤسسات يخلق بيئة يمكن أن تستفيد منها جماعة الحوثي سياسيًا حتى في المناطق التي لا تسيطر عليها ،وفي الوقت نفسه فإن المجتمع الدولي لا يبدو مستعدًا للعودة إلى دورات جديدة من الصراع في اليمن بقدر ما يبحث عن ترتيبات تضمن أمن الملاحة والاستقرار ، وكذلك يبحث عن شريك يمني قادر على إدارة البلاد والتعامل مع المتغيرات الإقليمية والدولية.
هذه المعطيات قد تدفع خلال المرحلة المقبلة نحو تغييرات واسعة في بنية الشرعية وقياداتها ومؤسساتها، وربما قبل حسم بعض الملفات الكبرى المتعلقة بالحوثيين، لكن التغيير إن حدث ليس بالضرورة نهاية للشرعية، بل قد يكون محاولة " لإعادة ضبط المصنع بما يجعلها أكثر قدرة على أداء وظائف الدولة.
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل ستنتهي الشرعية؟
بل هل ستنجح الشرعية في إعادة فرمتة نفسها قبل أن تصبح إعادة فرمتتها خيارًا يفرضه الآخرون؟
فالمرحلة القادمة تحتاج إلى الانتقال من شرعية البقاء إلى شرعية الأداء ومن إدارة الأزمة إلى إدارة الدولة، ومن المحاصصة إلى الكفاءة، ومن انتظار الدعم إلى استثمار الموقع الاستراتيجي لليمن.
وإذا لم تبدأ عملية الإصلاح وإعادة البناء من الداخل فقد تبدأ من الخارج وعندها لن يكون السؤال من يستحق البقاء في السلطة بل من يستطيع بالفعل إدارة اليمن في المرحلة الجديدة.