آخر تحديث :الخميس-27 أغسطس 2026-07:13ص

اليمن… سجنٌ كبير خلف أسواره سِجنان.

الأربعاء - 26 أغسطس 2026 - الساعة 03:36 م
د.علي القحطاني


تخيلوا أن وطنًا بحجم اليمن أصبح أشبه بـ سجن كبير، له سورٌ عالٍ يصعب على أبنائه تجاوز إلا عبر التهريب، وخلف هذا السور شعبٌ يتجرع الألم كل يوم، ويدفع ثمن صراعات لا ناقة له فيها ولا جمل.

اليمن اليوم ليس مجرد بلد يعيش أزمة، بل وطنٌ أنهكته الأزمات حتى أصبح المواطن يبحث عن أبسط حقوقه في الحياة:

طوابير أمام محطات الغاز…

وطوابير بحثًا عن البترول والديزل…

ورواتب أشهر متأخرة وطوابير انتظار الراتب…

والماء أصبح شبه معدوم في كثير من المناطق…

والكهرباء شبة معدومة لا تكاد تصل إلى ساعتين في النهار وساعتين في الليل…

والقطاع الصحي يتدهور، والتعليم يتراجع، والأمن يعاني، والفساد المالي والإداري يستنزف ما تبقى من مقدرات الدولة.

والأشد إيلامًا أن داخل هذا السجن الكبير يوجد سِجنان آخران:

السجن الأول: جنوب اليمن.

والسجن الثاني: شمال اليمن.

وفي كل سجن سلطات وأطراف متصارعة، بينما القرار في كثير من الملفات الكبرى يبدو مرتهنًا لتدخلات وحسابات خارجية، والمواطن هو وحده من يدفع الثمن.

شعبٌ تحت خط الفقر، يتجرع الظلم والمعاناة، بينما اليمن في الأصل بلدٌ غني بثرواته البشرية، والنفطية، والغاز، والثروة السمكية، والمعادن، ويمتلك موقعًا جغرافيًا استثنائيًا وموانئ طبيعية تطل على البحر الأحمر وبحر العرب، ويمكن لهذه الموانئ، إذا فُعّلت وأُديرت بصورة وطنية، أن تكون شريانًا اقتصاديًا عالميًا ينهض بالبلاد ويخلق فرص العمل ويحسن حياة الناس.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه:

لماذا لا يتحول هذا الغنى إلى حياة كريمة للمواطن اليمني؟

لماذا أصبح الفقر نصيب شعبٍ يعيش فوق أرضٍ غنية؟

لماذا تُعطَّل مقدرات البلد وموانئه وثرواته، بينما المواطن يزداد فقرًا ومعاناة؟

ومن المستفيد من بقاء اليمن ضعيفًا، منقسمًا، ومثقلًا بالأزمات؟

نحن لا نريد وطنًا يُدار بمنطق السجون، ولا شعبًا يعيش بين سجنٍ وسجن، ولا مستقبلًا تُرسم ملامحه خارج إرادة أبنائه.

نريد دولتين منفصلة لها سيادتها واعترافًا دوليًا أو يمنًا واحدًا، آمنًا، مستقرًا، سيدًا على أرضه وثرواته وموانئه، تُدار مقدراته لمصلحة شعبه، ويعيش فيه المواطن بكرامة لا بذل، وبحقوق لا بمِنّة، وبأمل لا بالخوف من الغد.

فاليمن لا تنقصه الثروات…

اليمن تنقصه دولة عادلة، وإدارة وطنية، وقرار مستقل، وإرادة تُقدّم المواطن والوطن على المصالح الشخصية والحسابات الخارجية.

وهناك مأساة أخرى داخل هذا السجن الكبير: مأساة الكفاءات والعقول اليمنية.

ففي اليمن كوادر تحمل أعلى المؤهلات العلمية، من حملة الماجستير والدكتوراه، أفنوا سنوات من أعمارهم في الدراسة والتحصيل العلمي، ومع ذلك لم يجد كثير منهم وظيفة في تخصصاتهم، فأُغلقت أمامهم أبواب العمل، واضطر بعضهم إلى ممارسة أعمال ووظائف لا تمت بصلة إلى مؤهلاتهم وتخصصاتهم، فقط من أجل توفير لقمة العيش.

أي وطنٍ هذا الذي يعلّم أبناءه، وينفق على تأهيلهم، ثم يتركهم بعد حصولهم على أعلى الشهادات يبحثون عن أي عمل لا علاقة له بتخصصاتهم؟

والأكثر ألمًا أن من حصلوا على وظائف في قطاع التعليم والمدارس والجامعات لم يسلموا من المعاناة؛ فقد أصبحت رواتب المعلمين والأكاديميين في الجامعات متدنية إلى درجة لا تكاد تكفي أبسط متطلبات الحياة، في ظل الارتفاع الجنوني للأسعار وتدهور قيمة العملة وتزايد تكاليف المعيشة.

كيف نريد أن نبني تعليمًا قويًا، ونصنع أجيالًا للمستقبل، ونحن نضع المعلم والأستاذ الجامعي أمام خيارين: الفقر أو البحث عن عمل إضافي؟

إن إهمال الكفاءات، وتعطيل التوظيف، وتجميد حقوق الموظفين، وإضعاف رواتب المعلمين والأكاديميين، ليس مجرد أزمة مالية عابرة، بل هو استنزاف متعمد للثروة البشرية اليمنية التي يفترض أن تكون أعظم موارد هذا الوطن.

اليمن لا يفتقر إلى العقول والكفاءات…

اليمن يفتقر إلى منظومة تحترم العقول، وتوظف الكفاءات، وتنصف المعلم والأكاديمي، وتمنح كل مؤهل فرصة حقيقية لخدمة وطنه في المجال الذي تخصص فيه.

فكيف نطلب من الشباب أن يتمسكوا بالعلم، ونحن لا نضمن لحامل الماجستير والدكتوراه وظيفة؟

وكيف نطلب من المعلم والأستاذ الجامعي أن يصنع مستقبل الأجيال، وراتبه لا يوفر له حياة كريمة؟

إنها ليست أزمة وظائف ورواتب فقط… إنها أزمة وطن يهدر أغلى ما يملك: الإنسان.

كفى ألمًا… كفى فقرًا… كفى طوابير… كفى انقسامًا.

آن لليمن أن يخرج من هذا السجن الكبير إلى دولتين مستقلين أو وطن واحد، وأن يستعيد عافيته ومكانته، وأن يكون وطنًا لأبنائه جميعًا.ط