ليس الوطن مساحة جغرافية تحيطها الحدود من جميع الجهات، ولا هو كلمة عابرة نرسم حروفها على أوجه اليافطات لتكون مجرد شعارات تزمجر بها الأفواه لتتحول إلى ذبذبات تتلاشى في أثير المصالح والنزوات، للفرد الواحد أو الجماعات.
إنه المأوى والسكينة والبقعة التي يرتبط بها الإنسان بوجدانه وذاكرته حيث الجذور والأهل وذكريات البدايات، وهو المخزون الممتد من اللغة والحرية والتاريخ المشترك والقصائد والحكايات التي تشكل هوية الأفراد والجماعات، وهو أرض تضمن للإنسان المواطنة، والكرامة، والمشاركة في بناء المجتمع بما له من حقوق وما عليه من واجبات، وهو المسافة بين الغربة والأمان، والحلم الذي يسعى الإنسان لبنائه والدفاع عنه، والمكان الذي لا يكفينا حمل همومه وأفراحه بعد المسافات.
فأين وطننا من هذه المفاهيم والتعريفات؟
يتجسد مفهوم الوطن بعدة أبعاد متكاملة تتمثل في البعد النفسي والوجداني، والبعد الجغرافي والسياسي، والبعد الاجتماعي والثقافي، وبعد الأخلاق والممارسات.
فالوطن ببعده النفسي والوجداني يمثل الذاكرة الأولى والأماكن التي شهدت تشكل الوعي، والشعور الفطري بالطمأنينة الذي لا يمنحه أي مكان مهما بلغ اتساعه.
ما هي صورة الوطن المنقوشة في الذاكرة اليمنية جمعاء؟
في الوقت الراهن، ربما ترتسم في أذهان بعضنا ممن بلغوا العقد الثالث من أعمارهم صور تذكي في وجدانهم مشاعر الحنين إلى ماضٍ بائد لمجتمعات بسيطة تعيش جزءاً من الأمن والاستقرار الذي يكدره شظف العيش والفقر وقساوة الحياة، وترتسم صور أخرى لحاضر وماضٍ قريب عن أحداث حرب وصراع وخراب وشتات، وأزمات اقتصادية عشناها وارتسمت ندوبها النفسية والعقلية علينا جميعاً بدرجات مختلفة؛ لحظات وأماكن لا يختلجنا الحنين إليها بقدر ما نتمنى عدم عودتها والهروب منها، صور جعلت من الوطن جحيماً أو سجناً كبيراً وبيئة رعب يتمنى الجميع الخلاص منها.
الوطن بمفهومه الجغرافي والسياسي
يتمثل مفهوم الوطن الجغرافي والسياسي بمساحة الأرض والمحيط المادي والحقوق والواجبات التي يحددها مفهوم المواطنة وسيادة القانون.
عند إسقاط هذا المفهوم على الواقع اليمني، سنجد الأرضَ مصطلحاً مجهولاً يحتاج إلى إعادة تعريف؛ فأي أرض هي أرض الوطن؟ هل هي أرض الشمال أم الجنوب؟ ربما هي الأرض التي تقف عليها وتنتمي إليها شمالاً وجنوباً، نعم هي مصدر العطاء الذي يمنحنا الحياة الكريمة بما تقدمه من خيرات، لكن هل لا تزال كذلك؟ ربما لا، فقد أصيبت باليأس بعدما زرعوها بالموت (الألغام)، فلم نعد نجني من خيراتها قدر ما تجنيه من أخيارنا، لتتحول مدافن المحصول النباتي إلى مقابر للمحصول البشري. وبعد أن كانت الأرض هي المأوى والسكينة، أصبحت ضرباً من الشتات والنزوح وعدم الاستقرار، ولم يتبَقَّ لنا من الأرض في مفهوم الوطن سوى الانتماء الذي حوله البعض إلى آفة من آفات المناطقية المريضة.
أما عن المحيط المادي فلم يبقَ منه شيء لم تشوهه الحرب، وعن الحقوق فقد زالت بزوال الحق الإنساني الأسمى في كل المجتمعات (الحق في الحياة)، فقد جعلت الحرب من الإنسان اليمني كائناً عارضاً للموت إما بفعل لغم مزروع، أو قذيفة طائشة، أو غارة جوية، وإن سلم من هذا كله قد لا يسلم من زؤام الجوع أو فتك الأوبئة. ولم يتبَقَّ للإنسان اليمني من مفهوم الوطن ببعده السياسي سوى الواجبات؛ فهو ملزم بدفع الضرائب والجبايات، وملزم بالدفاع عنه في الجبهات، وملزم بالصبر على الفقر والأزمات، وملزم بالصمت عن الصالحين ممن يعملون السيئات، وكأنَّ كلَّ هذا مظهرٌ من مظاهر المواطنة بعدما فقد القانون سيادته.
الوطن ببعده الثقافي والاجتماعي
يتجسد في اللغة والتاريخ المشترك والموروث الشفهي والبصري، والوجدان الجمعي الذي يربط أفراد المجتمع ببعضهم عبر الأجيال.
ربما لا تزال ملامح الوطن بيّنة من المنظور الثقافي، فنحن نمتلك لغة مشتركة، وربما تاريخاً مشتركاً، لكن ما الذي يحمله كلٌّ من اللغة والتاريخ؟
تتأرجح وحدة اللغة بين فريقين: فريقٌ يوظفها كوسيلة لصناعة العنف وإثارة الصراعات بما يتوافق مع الأهواء والنزوات، وفريقٌ يجعل منها لسان حال الملايين ممن يصلون جحيم الحرب وويلات الصراعات، لتكون هي اللغة المشتركة التي تميز أبناء الوطن اليمني الواحد.
وللتاريخ اليمني المشترك بعدان: يتمثل البعد الأول في التاريخ القديم؛ فكلُّ اليمنيينَ يجمعون على أن اليمن كانت من أقدم الحضارات وأعرقها وأكثرها ازدهاراً، فهي سبأ، وهي أرض الجنتين، واليمن السعيد. أما البعد الآخر فيمثل وجهاً آخرَ يختلف كلياً عن البعد الأول؛ فالتاريخ اليمني المعاصر حافل بالحروب والصراعات التي تجعل من إعادة فتح كتابه والتنقل بين صفحاته عاملاً من عوامل تعميق الجرح اليمني إذا لم يكن الهدف من ذلك إصلاح الحاضر وتجنب أخطاء الماضي.
أما عن الموروث اليمني فلا يزال شيءٌ جميلٌ منه باقياً كالملابس الشعبية والمهرجانات، والرقصات الشعبية، والقيم الحميدة كالكرم، وإغاثة الملهوف ونصرة المظلوم... إلخ. إلا أن اليمن توارث ممارسات وتقاليد ساهمت في تفكك المجتمع اليمني وتشظيه؛ كالثأر، والتمييز القائم على لون البشرة، ولم يكتَفِ بذلك بل تجاوزه إلى التمييز المهني، ليشكل كل هذا بعداً آخرَ للوطن يتمثل في البعد الأخلاقي والممارسات.
البعد الأخلاقي والممارسات
ينظر إلى الوطن بأنه فعل بناء مستمر ومسؤولية أخلاقية تجاه المجتمع، تكتمل بحفظ كرامة الإنسان وعدالته. ربما جعلت الحرب الوطن بعيداً عن هذا المفهوم شيئاً ما، ليتحول من فعل بناء إلى فعل هدم مستمر، عندما تغلبت المصالح الشخصية على الشعور بالمسؤولية الأخلاقية تجاه المجتمع، وأفضت إلى ظلم الإنسان وسلب كرامته.
إنّه هو ....
هذا هو الوطن اليمني بتفاصيله الضبابية الممتدة من أصغر بيت فيه إلى مفهوم الأمة اليمنية، بجوهره الثابت (المكان) الذي تتجسد فيه كرامة الإنسان اليمني وإنسانيته شبه المسلوبة.
مستقبل الوطن اليمني
لقد أصبح الوطن اليمني مشروعاً استثمارياً خاصاً ترسم استراتيجياته وتوجهاته مصالح الأفراد والجماعات، و تقتاده إلى جحيم الحرب و ويلاتها كلما اقتض الأمر ذلك، وهذا ما يجعل مصير الملايين من اليمنيين مجهولاً و مقروناً بمكمن هذه المصالح، وهو الأمر الذي لا يقبله العقل البشري عامة والعقل اليمني الحكيم خاصة.
الوطن الذي نحتاج إليه... بين أيدينا
إن الوطن الذي نحتاج إليه يتمثل في ذلك المشروع المقدس المتسامي عن كل المشاريع الضيقة الذي يحفظ للإنسان اليمني كرامته وإنسانيته على مر الزمان،لذا وجب أن نوقظ إدراكنا أنّ الوطن لا يمثله شخصٌ واحدٌ (أنا، أو أنت، أو هو، أو هي)، ولا تمثله جماعةٌ، بل نحن من يجب أن يمثله ليمثلنا جميعاً، فهو نتاج عملنا الفردي والجماعي القائم على استشعار المسؤولية الأخلاقية تجاه المجتمع اليمني؛ فالوطن إرادة ومصير جماعي نحن من يجب أن يوجهه ويحدد مصيره.