في بلد أنهكته الحرب والانقسام، كان يفترض بالأحزاب والقوى السياسية اليمنية أن تكون صوتًا للمواطن والمدافع الأول عن مصالح الدولة، وأن تجعل من استقلال القرار الوطني أساسًا لأي موقف سياسي. لكن واقع المشهد اليمني يثير أسئلة متزايدة حول مدى استقلالية بعض القوى السياسية، وقدرتها على تقديم المصلحة الوطنية على حسابات الدعم والنفوذ الخارجي.
فمنذ سنوات، ارتبطت الحياة السياسية اليمنية بتدخلات إقليمية ودولية متعددة، ولم يكن التمويل الخارجي بعيدًا عن هذا المشهد. وتوثق دراسات عن تاريخ الأحزاب اليمنية وجود علاقات ودعم مالي وسياسي خارجي لعدد من القوى والتيارات، مع تأثير ذلك في مواقفها السياسية.
وتبدو المشكلة أكثر وضوحًا عندما تتحول العلاقة بين السياسي والجهة الداعمة من تعاون سياسي أو دعم مشروع إلى تبعية تجعل الأولويات الوطنية تأتي في المرتبة الثانية. فالحزب الذي يفترض أن ينطلق من احتياجات المواطن قد يجد نفسه مضطرًا لمراعاة مصالح الجهة التي توفر له المال أو النفوذ، وهو ما يضعف استقلال القرار السياسي ويعمّق الانقسام.
ولا يعني ذلك أن جميع الأحزاب اليمنية تتحرك بالطريقة نفسها، أو أن كل دعم خارجي يؤدي بالضرورة إلى تغيير مواقفها؛ لكن استمرار الحديث عن التمويل الخارجي والتأثيرات الإقليمية يكشف أزمة حقيقية في البيئة السياسية اليمنية. كما أن قانون الأحزاب والتنظيمات السياسية اليمني يحظر على الأحزاب قبول التبرعات أو المزايا من جهات غير يمنية، ويضع قواعد لمصادر تمويلها.
وفي السنوات الأخيرة، ظهرت محاولات لتجميع القوى السياسية في تكتلات مشتركة، إلا أن بعضها واجه بدوره أسئلة حول مصادر التمويل وحجم الدور الخارجي في دعمه. ومن ذلك التكتل الوطني للأحزاب والمكونات السياسية الذي تأسس في عدن عام 2024، والذي أثيرت حوله نقاشات بشأن الدعم الدولي والتمويل.
اليمن اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الاصطفافات التي تجعل المواطن تابعًا لصراع المحاور، بل يحتاج إلى أحزاب تستعيد دورها الوطني، وتضع مصلحة البلاد فوق الحسابات الحزبية والإقليمية، وتكشف مصادر تمويلها للرأي العام، وتحتكم إلى برنامج سياسي واضح يخدم اليمنيين.
فالأحزاب ليست شركات تتبع مموليها، ولا أدوات لتصفية حسابات الآخرين؛ وإنما يفترض أن تكون مؤسسات سياسية تعبر عن المجتمع وتدافع عن مصالحه. وكلما غاب استقلال القرار الحزبي، أصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل تدافع هذه القوى عن اليمن، أم عن مصالح من يموّلها؟
إن استعادة الثقة بالعمل السياسي تبدأ من استعادة استقلال القرار الوطني، ومن جعل اليمن أولًا، لا باعتباره شعارًا سياسيًا، بل باعتباره معيارًا حقيقيًا لكل موقف وتحالف وقرار.