آخر تحديث :السبت-05 سبتمبر 2026-08:39ص

قراءة لما وراء السطور في خطاب الرئاسي

الثلاثاء - 25 أغسطس 2026 - الساعة 09:39 م
عمر الحار


أعلن مجلس القيادة الرئاسي، في اجتماعه اليوم برئاسة فخامة الرئيس الدكتور رشاد محمد العليمي، حزمة جديدة من إجراءات الردع المتكاملة، تجاه أي تصعيد جديد من جانب المليشيا الحوثية، في تأكيد واضح على عزم الدولة مواجهة هذا التصعيد على مختلف الأصعدة، واستعدادها للتعامل معه بأدوات تتجاوز حدود ردود الفعل التقليدية.

ولعل الأهم في هذا الإعلان لا يكمن في مضمونه العسكري وحده، وإنما في التحول اللافت في لغة مجلس القيادة ورئيسه وأعضائه؛ الممكن ملاحظة تتحررها تدريجياً من قيود ورتابة المرحلة السابقة، لتقدم خطاب دولة تبدو أكثر استيعاباً لمسؤوليتها الوطنية، وأكثر وضوحاً في التعبير عن خياراتها، ومنطقها السياسي والعسكري، بما يمنح خطابها قدرة أكبر على الإقناع والتأثير في الداخل والخارج.

ويكشف الخبر الذي نقلته وكالة الأنباء اليمنية «سبأ»، الناطق الرسمي للدولة، جانباً من هذه الرؤية الجديدة؛ إذ أكد المجلس جاهزية القوات المسلحة وكافة التشكيلات العسكرية للقيام بمهامها الدستورية، وامتلاك زمام المبادرة، وجعل تصعيد المليشيا أكثر كلفة على قياداتها وقدراتها ومصادر تمويلها.

وهنا تبدو المسألة أبعد من مجرد رسالة تحذير؛ فالمجلس يتحدث عن معادلة جديدة للمواجهة، عنوانها أن الاعتداء لم يعد بالضرورة فعلاً يمكن أن يُفرض على الدولة، بينما يظل توقيت الرد وحجمه وشروطه خاضعاً للطرف المعتدي وحده.

وإذا كانت هذه اللغة تعكس بالفعل انتقالاً من إدارة التصعيد إلى محاولة التحكم في معادلته، فإن نجاحها سيبقى مرهوناً بمدى قدرة الدولة على إحكام أدواتها السياسية والعسكرية والاقتصادية، وتجفيف مصادر القوة التي تستند إليها المليشيا، وتحويل عناصر الردع المعلنة إلى واقع ميداني وسياسي قابل للاستمرار.

وتكتسب هذه التطورات أهميتها من كونها تأتي بعد مسار من الإصلاحات وإعادة بناء مؤسسات الدولة وتحسين قدراتها على أداء وظائفها العامة، وهي عوامل لا يمكن فصلها عن أي تحول في قدرة القيادة السياسية على الانتقال من خطاب إدارة الأزمة إلى خطاب استعادة المبادرة.

كما لا يمكن، في تقديري، قراءة هذه المتغيرات المتواصلة في سياسة مجلس القيادة الرئاسي بمعزل عن التحولات في البيئة الإقليمية والدولية المحيطة بالملف اليمني. فقد شهدت الأيام الأخيرة حراكاً دبلوماسياً لافتاً، من خلال زيارة وزير الخارجية الياباني، واستقبال أمين عام وزارة الدفاع الألمانية، بالتزامن مع تأكيد العليمي على ضرورة مقاربة دولية أكثر حزماً تجاه التدخلات الإيرانية وتجفيف مصادر تمويل وتسليح الشبكات المسلحة.

وفي هذا السياق، تبدو المملكة العربية السعودية حاضرة بوصفها الرافعة الإقليمية الأبرز لإسناد الحكومة اليمنية ومجلس القيادة، وهو إسناد يمنح التحول في خطاب الرئاسي وزناً سياسياً إضافياً، خصوصاً إذا ما تزامن مع دعم دولي متزايد لمؤسسات الدولة وقدراتها السيادية.

لقد ظل السؤال الأهم خلال السنوات الماضية: هل تستطيع الدولة اليمنية أن تستعيد زمام المبادرة، أم أنها ستبقى أسيرة ردود الفعل على ما تفرضه المليشيا من إيقاع؟

والذي تقوله التطورات الأخيرة، على الأقل في مستوى الخطاب السياسي، إن الإجابة بدأت تتغير.

لكن الاختبار الحقيقي لن يكون في قوة اللغة وحدها، وإنما في قدرة الدولة على تحويل هذه اللغة إلى معادلة ردع متماسكة، ومؤسسات أكثر كفاءة، وقرار وطني أكثر وحدة، وسياسة قادرة على الجمع بين متطلبات المواجهة وفرص السلام العادل.

فإذا نجح مجلس القيادة في تثبيت هذه المعادلة، فقد لا يكون ما نشهده مجرد تصعيد جديد في مسار الحرب، بل بداية انتقال سياسي وعسكري أكثر وضوحاً نحو استعادة الدولة لزمام المبادرة.

وربما تعطي القراءة لما وراء السطور سؤالاً أكبر من الحدث نفسه: هل نحن أمام تحول حقيقي في طريقة إدارة المواجهة، أم أمام تحول في الخطاب الرئاسي فقط؟