مع اقتراب انطلاق العام الدراسي الجديد في حضرموت، اطّلع محافظ حضرموت على تحضيرات مكتب التربية والتعليم لانطلاق العام الدراسي، في إطار الاستعداد لعودة آلاف الطلاب إلى مدارسهم وبدء عام دراسي جديد؛ وفي خضم هذا المشهد، تبدو لافتةً قدرة قيادة جامعة حضرموت على إيصال همومها وقضاياها إلى السلطة المحلية، وتحويل ما تواجهه الجامعة من تحديات إلى قضية عامة تستدعي حضور أكثر من طرف للمشاركة في النقاش والبحث عن المعالجات؛ وهي خطوة تعكس وعياً بأن المشكلات الكبيرة لا تُحل داخل جدران المؤسسة وحدها، وإنما تحتاج إلى أن تُحشد حولها الجهود، وتتسع دائرة المسؤولية بشأنها.
وفي المقابل، يبدو أن التربية والتعليم بحاجة إلى حضور أقوى في هذا الجانب؛ فمشكلات التعليم الأساسي ليست أقل أهمية، وربما أكثر التصاقاً بحياة الناس اليومية؛ ومع ذلك، لم تستطع قضايا الطلاب والمعلمين والمدارس والأسر أن تحظى بالقدر نفسه من الحشد المجتمعي والمؤسسي، أو أن تتحول إلى ملفات مطروحة على طاولة السلطة المحلية بمشاركة مختلف الجهات القادرة على الإسهام في حلها.
وهنا تحديداً، ربما لا تكمن المشكلة في غياب الهموم، فهي كثيرة ومؤلمة، وإنما في قدرة المؤسسة التربوية على نقل هذه الهموم من حدود المكاتب إلى فضاء القرار العام، ومن الشكوى إلى قضية تستنهض حولها السلطة المحلية والقطاع الخاص والمنظمات والمجتمع المدني.
وهي مناسبة تستحق أن نتوقف عندها قليلاً، ليس فقط للحديث عن جاهزية المدارس وبدء الدراسة، وإنما لفتح سؤال أكثر إلحاحاً: ماذا يحدث اليوم داخل مدارس التعليم الأساسي في حضرموت؟ وما الذي يعيشه الطفل والأسرة والمعلم قبل أن يصل الطالب أصلاً إلى المرحلة التي يفكر فيها باختيار تخصصه الجامعي؟ فالمشكلة التعليمية لا تبدأ عند بوابة الجامعة، وإنما تبدأ في الصف الأول الابتدائي، وقد تتراكم عاماً بعد آخر حتى تصل إلى الصف التاسع؛ وإذا كنا نريد أن نعالج مخرجات التعليم العالي، فعلينا أولاً أن ننظر بصدق وشجاعة إلى جذور المشكلة في مدارس التعليم الأساسي.
*طفل يذهب إلى المدرسة وفي البيت ألف وجع*
خلف كل طالب يجلس على مقعده المدرسي أسرة تكافح من أجل البقاء؛ أسر كثيرة في حضرموت تعيش اليوم تحت ضغط اقتصادي قاسٍ، ورواتب لا تكاد تكفي الاحتياجات الأساسية، وارتفاع مستمر في أسعار الغذاء والدواء والملابس والمواصلات؛ وفي مثل هذه الظروف، يصبح توفير الزي المدرسي والدفاتر والحقائب والأقلام وغيرها من المستلزمات الدراسية عبئاً ثقيلاً على الأب والأم؛ وقد تضطر الأسرة إلى المفاضلة بين احتياجات أبنائها المدرسية وبين شراء الغذاء أو توفير العلاج لطفل مريض؛ وهنا لا يمكن أن نطالب الطفل بالتركيز الكامل على دروسه، بينما معدته خاوية، أو أن نطالبه بالتفوق بينما أسرته عاجزة عن شراء أبسط احتياجاته المدرسية.
فالفقر ليس قضية اجتماعية بعيدة عن التعليم؛ الفقر يجلس داخل الفصل الدراسي، ويؤثر في حضور الطالب وتركيزه وصحته وقدرته على التعلم.
*قبل لوم الطالب: فلنسأل عن المدرسة*
من المؤلم أن يتحول الحديث عن التعليم أحياناً إلى التركيز على الطالب ونتائجه ومستواه، دون الالتفات بالقدر الكافي إلى البيئة التي يتعلم فيها وإلى الظروف التي تحيط بأسرته؛ وهنا تبرز مسؤولية مكتب التربية والتعليم بساحل حضرموت، الذي ينبغي أن يكون في مقدمة الجهات التي تلامس هذه المشكلات وتبحث عن حلول واقعية لها؛ والنقد هنا ليس رغبة في تحميل المسؤولية لطرف بعينه، بقدر ما هو دعوة إلى أن يكون صوت المدارس والأسر والطلاب حاضراً بقوة في أولويات العمل التربوي.
فمدير التربية والتعليم في ساحل حضرموت أمام مسؤولية كبيرة، لا تقتصر على متابعة الحضور والاختبارات والمناهج، وإنما تشمل أيضاً النظر في الظروف التي تمنع الطفل من التعلم بصورة طبيعية؛ والتعامل مع هذه التحديات يتطلب رؤية تتجاوز الإجراءات الإدارية إلى معالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي تضرب العملية التعليمية في أساسها.
وإذا كانت تحضيرات العام الدراسي الجديد قد وضعت جاهزية التعليم على طاولة الاهتمام، فإن الأجدى أن يكون ذلك بوابة لفتح ملف التعليم من جذوره؛ كيف نجعل المدرسة مكانا مريحاً وجاذباً للطفل؟ وكيف نعيد للتعليم قيمته في نظر الأسرة والطالب والمعلم؟
*عيادة داخل المدرسة: لأن صحة الطفل جزء من تعليمه*
من المقترحات العملية التي تستحق الدراسة إنشاء عيادات صحية داخل المدارس، أو على الأقل توفير نقاط رعاية صحية مدرسية فعالة يمكن للطلاب الوصول إليها بسهولة.
فالصحة المدرسية بصورتها التقليدية قد لا تكون كافية عندما تكون الأسرة غير قادرة على تحمل تكاليف العلاج، أو عندما يصعب الوصول إلى الخدمات الصحية؛ إن وجود عيادة مدرسية مجهزة، حتى بالإمكانات الأساسية، يمكن أن يساعد في التعامل مع الحالات الطارئة، والكشف المبكر عن المشكلات الصحية، ومتابعة صحة الطلاب وتقديم الإرشادات الصحية.
فالطفل المريض لا يستطيع أن يتعلم كما ينبغي، والرعاية الصحية ليست رفاهية يمكن تأجيلها، بل جزء أساسي من البيئة التعليمية السليمة.
*مطبخ مدرسي: وجبة صغيرة قد تصنع فرقاً كبيراً*
ومن الحلول التي تستحق أن تتحول إلى مشروع مجتمعي واسع إنشاء مطابخ مدرسية أو برامج للوجبات المدرسية، توفر وجبة إفطار صباحية للطلاب، خصوصاً في المدارس التي تضم أطفالاً من أسر شديدة الاحتياج؛ وجبة الإفطار ليست مجرد طعام؛ إنها فرصة للطفل لكي يبدأ يومه الدراسي بقدر من الطاقة والتركيز؛ ويمكن تنفيذ هذه المبادرة بالشراكة بين السلطة المحلية، ومكتب التربية، ورجال الأعمال، والمنظمات المحلية والدولية، والمجتمع المدني.
وقد يكون من المؤلم أن نتحدث عن تطوير المناهج والتقنيات الحديثة بينما هناك طفل في الصف لا يستطيع متابعة الدرس لأنه لم يتناول وجبة منذ ساعات طويلة.
*من الصف الأول إلى التاسع: التعليم يحتاج إلى خطة متكاملة*
إن معالجة مشاكل التعليم الأساسي في حضرموت تحتاج إلى خطة تمتد من الصف الأول حتى الصف التاسع، تراعي اختلاف احتياجات الطلاب في المراحل العمرية والدراسية المختلفة؛ في الصفوف الأولى، يجب التركيز على القراءة والكتابة والحساب، مع برامج لمعالجة ضعف الطلاب في المهارات الأساسية، وتوفير أنشطة تعليمية مبسطة تساعد الطفل على التعلم بعيداً عن الحفظ والتلقين؛ أما في الصفوف المتوسطة والعليا، من السادس إلى التاسع، فمن المهم تعزيز برامج التقوية والدعم الأكاديمي، ومساعدة الطلاب الذين تراكمت لديهم فجوات تعليمية خلال السنوات السابقة، إلى جانب الاهتمام بالعلوم والرياضيات واللغة العربية والإنجليزية والمهارات الرقمية.
ويمكن كذلك إنشاء برامج دروس تقوية مجانية للطلاب من الأسر الأشد احتياجاً، والاستفادة من المعلمين الأكفاء والمتقاعدين وطلاب الجامعات في برامج تطوعية منظمة، بما يساعد على سد الفجوات التعليمية دون تحميل الأسرة تكاليف إضافية.
*الزي والكتاب والمستلزمات: لا تجعلوا الفقر سبباً للغياب*
ومن الضروري أيضاً إطلاق برنامج لدعم الطلاب المحتاجين، يشمل الزي المدرسي والحقائب والكتب والدفاتر والأدوات التعليمية، حتى لا يصبح الوضع الاقتصادي للأسرة سبباً في إحراج الطفل أو انقطاعه عن الدراسة؛ كما ينبغي إنشاء قاعدة بيانات للطلاب الأكثر احتياجاً في كل مدرسة، بحيث تصل المساعدة إلى مستحقيها بصورة منظمة وشفافة، بدلاً من ترك الأسرة تواجه هذه الاحتياجات وحدها؛ وبالتوازي مع ذلك، يجب العمل على تخفيف الأعباء الأخرى التي تؤثر في حضور الطالب، ومنها المواصلات في المناطق البعيدة، وتوفير بيئة مدرسية مناسبة وآمنة، وصيانة الفصول ودورات المياه ومرافق المدارس.
*المعلم أيضاً جزء من المعادلة*
ولا يمكن الحديث عن إصلاح التعليم الأساسي دون الحديث عن المعلم؛ فالمعلم الذي يواجه هو الآخر ضغوطاً معيشية كبيرة يحتاج إلى التدريب والدعم والحوافز، كما يحتاج إلى بيئة عمل تحفظ له كرامته وتساعده على أداء رسالته؛ ومن المهم أن تتجه الجهات المعنية إلى برامج مستمرة لتأهيل المعلمين وتطوير مهاراتهم، خصوصاً في طرق التدريس الحديثة، والتعامل مع الفروق الفردية، واكتشاف صعوبات التعلم، واستخدام الوسائل الرقمية في التعليم.
فكلما كان المعلم أكثر قدرة على فهم احتياجات الطفل، أصبحت المدرسة أكثر قدرة على تعويض جانب من الظروف الصعبة التي يعيشها الطالب خارجها.
*المشكلة أكبر من التحضير للعام الدراسي: والحل يحتاج إلى إرادة*
إن الاستعداد لانطلاق العام الدراسي الجديد يمثل فرصة مهمة لإعادة النظر في واقع التعليم الأساسي في حضرموت، وألا يقتصر الاهتمام على فتح أبواب المدارس وبدء الدراسة؛ فالطفل الحضرمي لا يحتاج فقط إلى كتاب ومنهج وسبورة؛ يحتاج إلى غذاء، وصحة، وأمان، وملابس، ومعلم مؤهل، وبيئة مدرسية محترمة، وفرصة حقيقية للتعلم.
وحين تكون الأسرة عاجزة عن توفير هذه الأساسيات، فإن المدرسة تصبح أمام مسؤولية أكبر، والجهات المعنية بالتعليم أمام اختبار حقيقي في قدرتها على تقديم حلول تتجاوز الإجراءات التقليدية.
وفي النهاية، ربما يكون السؤال الأهم مع بداية العام الدراسي الجديد ليس فقط: هل مدارسنا جاهزة لاستقبال الطلاب؟ بل أيضاً، هل نحن جاهزون لحماية حق هؤلاء الطلاب في التعلم؟
فحين ننجح في إنقاذ التعليم من الفقر والمرض والعجز، ونمنح الطفل فرصة عادلة ليتعلم، سنكون قد بدأنا فعلاً في بناء الجيل الذي سيختار الجامعة عن قناعة، ويحمل رسالة التعليم باعتزاز، ويعيد للمدرسة مكانتها التي تستحقها في حضرموت.